آنفًا ـ بقوله:"واحترزنا بالافراد من الاسم والحدّ، فليسا مترادفين، وبوحدة الاعتبار عن المتباينين كالسيف والصارم، فإنّهما دلاّ على شيء واحد، لكن باعتبارين، أحدهما على الذات، والآخر على الصفة." [1] فهو لم ينظر إلى أسماء السيف المتعدّدة بأنها من المترادفات، إنّما يراها متباينات، فالحسام والبتّار والمهنّد والصارم، ما هي إلاّ صفات مختلفة للسيف، وصفته العرب بها، وما الترادف لديه إلاّ ما دلّ على شيء واحد وذات واحدة، وعلى ذلك فهو يستلزم للقول بالترادف، التطابق التامّ بين معاني الألفاظ الموصوفة بأنّها مترادفات من دوان أيّ زيادة في معنى لفظة منها وانعدامها في الأخرى، كما في أسماء القمح، كالحنطة والبُرّ [2] .
ومذهب المدعين بأنّ الترادف من باب التباين بين الصفة والذات هو مذهب قديم، فمن الأوائل القائلين به أبو العبّاس المبرّد، وثعلب (ت 291 هـ) ، وأبو هلال العسكري الّذي عرف بهذا المذهب [3] في كتابه (الفروق في اللغة) ، فضلًا عن أبي عليّ الفارسي [4] ، وأحمد بن فارس [5] ، اللذين لم يقرّوا بوجود الترادف في اللغة بصورة مطلقة، وهما لم ينكرا ـ كذلك ـ هذه الظاهرة إنكارًا تامًّا، فما حدث من جدل بين أبي عليّ الفارسي وابن خالويه في أسماء السيف ـ الّذي مرّ ذكره آنفًا ـ لا يعني إنكار أبي علي الفارسيّ الترادف، إنّما هو تفريق بين ما هو اسم وما هو صفة.
أمّا أحمد بن فارس، فهو لم يصرّح بإنكاره الترادف، إنّما رأى ثمّة زيادات ٍ معنويّةً بين الألفاظ الّتي تبدو مترادفة، ولم ير اختلافًا بين تلك الألفاظ، إذ جاء في كتابه (الصاحبي في فقه اللغة) :",أمّا قولهم إنّ المعنيين لو اختلفا لما جاز أن يعبّر عن الشيء بالشيء ... ولسنا نقول إنّ اللفظتين مختلفتان، فيلزمنا ما قالوه." [6]
يستشفّ من ذلك أنّ أحمد بن فارس لم يكن مؤمنًا بفكرة التطابق أو الترادف التامّ في معاني الألفاظ الّتي عدّت من المترادفات، إنّما رأى ثمّة اختلافًا بين معانيها،
(1) المزهرفي علوم اللغة 1/ 402، وينظر: علم الدلالة (عمر) 215 ـ 216.
(2) ينظر: المزهرفي علوم اللغة 1/ 402 ـ 403، وفقه اللغة العربيّة 170، ووصف اللغة العربيّة دلاليًّا
: محمّد محمّد يونس 363.
(3) أبحاث ونصوص في فقه اللغة العربيّة 236.
(4) المزهر في علوم اللغة 1/ 405.
(5) الصاحبي في فقه اللغة 59.
(6) الصاحبي في فقه اللغة 60.