وقد دلّت لفظة (أسرّ) على الإخفاء في عموم القرآن؛ ولذلك أنكر الدكتور إبراهيم أنيس على ابن الأنباري حمله هذه اللفظة على معنيين متضادّين وعدّ ذلك من التعسّف والتكلّف، إذ قال:"أليس من التكلّف والتعسّف أن نجعل (الإسرار) بمعنى الإظهار." [1] ذاهبًا إلى أنّ لها معنى واحدًا، وهو الإخفاء، وبمثل ذلك قال طائفة من المحدّثين، منهم الدكتور كاصد الزيدي [2] ، والدكتور آل ياسين [3] ، وعلى هذا يكون الأولى حمل هذه اللفظة على ظاهر معناها؛ لأنّ الأصل فهم اللفظ بحسب ظاهره، ولا يجب العدول عنه إلى التأويل والاستباط، إلاّ بقرينة تمنع من إيراد المعنى من ظاهر اللفظ. وهذا ما تفرضه أصول اللغة والتفسير [4] .
2 ـ (خفي) :
ومن الألفاظ الّتي فسّرها أبو السعود بأنّها ممّا احتمل معنيين متضادّين
لفظة (أخفي) في قوله تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا.} (طه: من الآية152) إذ قال:"أي: لاظهارها بأن أقول إنّها آتية، ولولا أنّ ما في الإخبار بذلك من اللطف وقطع الأعذار، لما فعلت، أو أكاد أظهرها بإيقاعها، من"
(أخفاه) ، إذا أظهره بسلب خفائه، ويؤيّده القراءة بفتح الهمزة من أخفاه
بمعنى: أظهره، وقيل: (أخفاه) من الأضداد: يجيء بمعنى
الإظهار والستر." [5] فأراد بقوله:"أظهرها بإيقاعها"يعني إظهار وقت وقوع"
الساعة.
فاحتمل أبو السعود المعنيين الضدّيين في الفعل (أخفيها) ، وهما الإظهار
والستر، وهو في ذلك نظر إلى التضادّ في هذه اللفظة من حيث وجود همزة
السلب في أوّل الفعل وعدمها، وهذه الهمزة تعمل على تحويل المعنى الظاهر
(1) في اللهجات العربية 193.
(2) فقه اللغة العربية 158.
(3) الأضداد في اللغة 526 ـ 527.
(4) البرهان في علوم القرآن 2/ 183.
(5) إرشاد العقل السليم 6/ 8.