ونباهلهم بجميع كلمات اللغة العربيّة أن يأتونا بلفظ واحد له معنيان متقابلان بوضع واحد، فإن لم يفعلوا ـ ولن يفعلوا ـ فليس في اللغة تضادّ." [1] "
والغلوّ واضح فيما ذهب إليه هذا الفريق، إذ لا يمكن إنكار ظاهرة لغويّة معروفة في العربيّة وغيرها من اللغات، غير أنّ القول بمحدوديّة الألفاظ المتضادّة في اللغة هو القول الأسلم.
أمّا موقف علماء اللغة والمفسّرين من وجود التضادّ في القرآن الكريم، فقد كانوا بين مقرٍّ به ورافض له، إلاّ أنّ أغلب الّذين أقرّوه هم من اعترفوا بوجوده في اللغة العربيّة، وما جاء في (تأويل مشكل القرآن) من عدم تجويز ابن قتيبة وقوع التضادّ في القرآن حين قال: إنّ"الاختلاف نوعان: اختلاف تغاير، واختلاف تضادّ. فاختلاف التضادّ لا يجوز، ولست بواجده بحمد الله في شيء من القرآن، غلاّ في الأمر والنهي، والناسخ والمنسوخ." [2] فليس المراد به من التضادّ المعروف بوحدة اللفظ وتعدّد المعنى، إنّما أراد بذلك عدم تناقض ألفاظ القرآن أو تضاربه؛ ذلك لأنّه تعرّض لظاهرة التضادّ في الألفاظ القرآنيّة ودرسها في عدّة مواضع من كتابه.
أمّا أبو السعود، فقد كان من القائلين بالتضادّ في العربيّة، ولا سيّما في
الألفاظ القرآنيّة، وقد تبيّن ذلك من إشارته إلى الألفاظ المتضادّة صراحة بأنّها
(من الأضداد) . واتّسع هذا المصطلح لديه، فشمل ما سمّاه البلاغيّون بـ (الاستعارة التهكّميّة) . وكان إيراد للألفاظ المتضادّة أكثر ممّا هو عليه في المشترك اللفظيّ، وهذا ما ينسجم وموقفه من الأخير الّذي مرّ ذكره، وسيتبيّن ذلك من خلال بيانه الآي القرآنيّ وتفسيره لها، ومنه:
1 ـ أسرّ:
حمل أبو السعود لفظة (أسرّ) في قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا
الْعَذَاب. (سبأ: من الأية 33) على أنّها من الألفاظ المتضادّة، إذ قال:"أي"
أضمر الفريقان الندامة على ما فعلا من الضلال والإضلال، وأخفاها كلّ منهما
(1) دائرة المعارف الإسلاميّة 3/ 518، وينظر: التضادّ في القرآن الكريم 49.
(2) تأويل مشكل القرآن 40، وينظر: التأويل عند ابن قتيبة في كتابيه (تأويل مشكل القرآن)
و (تأويل مشكل الحديث) 93.