الصفحة 137 من 371

رأى أنّ نظرة ابن درستويه إلى التضادّ نظرة تأريخيّة قامت على أساس البحث في أصول الألفاظ في أصل الوضع، وليس في ما آلت إليه نتيجةً لعوامل طارئة عليها، وذهب إلى أنّ ابن درستويه لم يكن منكرًا للتضادّ من حيث المنهج الوصفيّ الّذي يقوم على البحث في واقع اللغة وحاضرها، وإنّما كان يقرّ بوجود النادر منها، وأنّ هذا أمر أجمع عليه أغلب علماء اللغة قدماء ومحدثين.

وهذا ما يراه البحث، فلم يكن ابن درستويه منكرًا لكلّ ما ورد في اللغة من ألفاظ متضادّة، إنّما أقرّ بوجود القليل منها ـ كما هو عليه في المشترك اللفظي ـ وحاول ردّ معاني أغلب ما ورد منها من أمثلة إلى أصل دلاليّ واحد، عادًّا إيّاها من باب المجاز، وربّما دفعه إلى ذلك إسراف القدماء وتكلّفهم في عدّ ما ورد من ألفاظ ناتجة عن اختلاف اللهجات من ضمن الأضداد.

وأمّا المحدثون فقد تشعّبت آراؤهم واختلفت نظرتهم إلى التضادّ كاختلاف القدماء فيه، وقد انقسموا بين مؤيّد ومنكر له، فأمّا المؤيّدون، فقد نظروا للتضادّ بصفته نوعًا من الاشتراك خلا الدكتور محمّد حسين آل ياسين، الّذي نفى وجود علاقة تشابه بين المشترك والتضادّ إلاّ من حيث تعدّد المعنى، مستندًا إلى اختلاف أسباب نشأة كلّ منهماإذ قال:"ليس بين المشترك والأضداد من التشابه سوى انصراف اللفظة فيهما إلى أكثر من معنى، وبينهما فيما عدا ذلك من عدم التشابه ما بين كلّ منهما وأيّ من الظواهر اللغويّة الأخرى، وذلك أنّ أسباب نشأة الأضداد تختلف تمامًا عما هي عليه في المشترك، ولا تتّفق إلاّ في مسائل قليلة." [1]

وهؤلاء المعترفون بظاهرة التضادّ كانوا على قسمين هما: المبالغون في إثبات

الأضداد، وهم الّذين اعترفوا بكلّ ما جاء من ألفاظ متضادّة في كتب الأضداد، والمضيّقون لها، وهؤلاء يؤمنون بوجود القليل منها بحيث لا تعدو العشرين ضدًّا [2] , أمّا المنكرون من المحدثين لظاهرة التضادّ، فكانوا أكثر تشدّدًا في إنكارهم للأضداد، ومن هؤلاء عبد الفتّاح بدوي الّذي يقول:"إنّنا لنتحدّى الّذين يزعمون أنّ في اللغة أضدادًا،"

(1) الأضداد في اللغة 101 ـ 103.

(2) ينظر: في اللهجات العربيّة 203، والأضداد في اللغة 241 ـ 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت