لديهم من نعم الله سبحانه، كأنّهم يطلبون التزودّ من ذلك، فقيل لهم: استمتعوا، أي: اطلبوا الاستدامة لهذا التمتّع، فلن يدوم؛ لأنّ هناك من سبقكم وفعل فعلكم وأهلكوا.
وقد يأتي الفعل على زنة (استفعل) ويردا به المبالغة في الفعل [1] نحو
(يستحسرون) في قوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ.} (الأنبياء:19) فقد ذكر أبو السعود أنّ المعنى"لا يكلّون ولا يعيون."ونبّه على أنّ"صيغة الاستفعال المنبئة عن المبالغة في الحسور للتنبيه على أنّ عبادتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها، ومع ذلك لا يستحسرون لا لإفادة نفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصله في الجملة كما أنّ نفي الظلاميّة في قوله تعالى: {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.} (ق: من الاية 39) لإفادة كثرة الظلم المفروض تعلّقه بالعبيد لا لإفادة نفي المبالغة في الظلم مع ثبوت أصل الظلم في الجملة." [2]
يتبيّن من النصّ المتقدّم أنّ صيغة (استفعل) أفادت معنى المبالغة في كثرة وقوع فعل الاستحسار والإعياء من عدد من العباد في عبادتهم الله سبحانه على أنّ جميع المخلوقات بما فيها المؤمنون المخصوصون بالآية لا يستحسرون ولا يكلّون من إقامة عبادتهم لله جلّ وعلا، فهم يداومون على عبادته ويستزيدون منها دون ملل أو ضجر على كثرة مستلزمات فرائض العبادة ودوام ذلك.
فما لحق بنية الفعل من حروف الألف والسين والتاء، أدّى إلى زيادة في المعنى بمساعدة السياق المتقدّم الدالّ على انشغالهم عن العبادة باللهو واللعب، قال تعالى:
{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} (الأنبياء:2)
ومن معاني (استفعل) الّتي توقّف عندها أبو السعود: التحوّل والانتقال، إذ جاء الفعل (استكانوا) في قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا
(1) وردت صيغة (استفعل) بمعنى المبالغة في مواضع أخر نحو آية (5) من (الحجر) ، وهي قوله
تعالى: (( مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ. ) )في 5/ 66، وآية (34) من (الأعراف) : ((
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ. )) في 3/ 225.
(2) إرشاد العقل السليم 6/ 60.