يَتَضَرَّعُونَ. (المؤمنون:76) على هذه الصيغة، فقال أبو السعود: إنّ معناه"لم يخضعوا ولم يتذلّلوا."ثمّ بيّن أصل الفعل (استكانوا) قائلًا:"إمّا استفعال من الكون؛ لأنّ الخاضع ينتقل من كونٍ إلى كون، أو افتعال من السكون قد أُشبِعت فتحته، كمنتزاح في منتزح." [1] مسيرًا إلى أنّ الكافرين أقاموا على ما كانوا عليه من العتوّ والاستكبار دون تحويل لحالتهم الّتي كانوا عليها، فلم يتضرّعوا لله أو يستكينوا له.
من النصّ المتقدّم يتّضح أنّ الفعل (استكان) له أصلان، أحدهما: أنّه
من (سَكَنَ) ، و (استَكَن) بمعنى"خضع وذلّ" [2] فعلى هذا يكون على
زنة (افتَعلَ) بزيادة حرفين هما الألف والتاء. ولم يشر أبو السعود إلى هذه الدلالة في هذه الصيغة في الآية.
والآخر: أنّه من (كوَنَ) ، وهو الحدَث، ويقال: كوّنه فتكوّن، أي: أحدثه فحدث، والتكوّن التحرّك [3] .
فعند زيادة حروف الألف والسين والتاء على بنية الفعل (استكانوا) ، مُنحَت دلالة جديدة، وهي التحوّل والانتقال من حال إلى أخرى، وقد نفى الله عزّ وجلّ استكانتهم له وتحوّلهم عن حال كفرهم.
وممّا جاء على صيغة (استفعل) : الفعل (استيأسوا) في قوله تعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ.} (يوسف: من الآية80) إذ قال أبو السعود: إنّهم"يئسوا من يوسف وإجابته لهم أشدّ يأس بدلالة صيغة الاستفعال، وإنّما حصلت لهم هذه المرتبة من اليأس لما شاهدوه من عوذه بالله ممّا طلبوه الدالّ على كون ذلك عنده في أقصى مراتب الكراهة، وأنّه ممّا يجب أن يحترز عنه ويعاذ منه بالله ـ عزّوجلّ ـ ةمن تسميته ظلمًا بقوله: إنّا إذًا لظالمون." [4]
ويبدو من النصّ أنّ أبا السعود أراد في تفسيره الفعل (استيأسوا) في الآية معنى التكلّف في إظهار يأس أخوة يوسف حينما عجزوا عن حصولهم على طلبهم من يوسف (
(1) ارشاد العقل السليم 6/ 146.
(2) لسان العرب 13/ 218 (سكن) .
(3) لسان العرب 13/ 363 (كون) .
(4) إرشاد العقل السليم 4/ 299.