الله سبحانه وتعالى، وهو الّذي يقول (عزّ من قائل) : {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا.} (مريم:93) فاستعمال صيغة المطاوعة (فطّر) الدالّ على القوّة والمبالغة في الحدث أدلّ على المعنى من غيرها؛ لأنّ"المطاوعة مستعملة بمعنى قوّة حصول الفعل." [1]
ومن معاني صيغة (تفعّل) : الإزالة، على نحو ما جاء في الفعل (تهجّد) في قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا.} (الإسراء:79) فذكر أبو السعود أنّ المعنى"أزل والقَ الهجود، أي: النوم." [2] ثمّ قال:"إنّ صيغة التفعّل تجيء للإزالة، كالتحرّج والتحنّث والتّألّم، ونظائرها." [3]
فدخول التاء والتشديد على بنية الفعل (تهجّد) أفاد معنى الإزالة للفعل، إذ
إنّ (هجد) بمعنى (نام) ، ويتهجّد إذا صلّى ليلًا وترك النوم [4] ، فصيغة التفعّل دلّت على أنّ الفاعل جانب الفعل وتركه، فحين يقال تذمّم، يكون المعنى جانب الذمّ، وتأثّم معناه جانب الإثم [5] .
وقد تأتي صيغة (تفعّل) بمعنى (استفعل) ، نحو (تعجّل) في قوله تعالى:
{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى.} (البقرة: من الآية203) أذ رأى أبو السعود أنّ معنى الفعل ... (تعجّل) هو"استعجل في النَّفْر أو النَّفَر. [6] " [7]
ويبدو من النصّ المتقدّم أنّه أراد بـ (تعجّل) معنى (استعجل) ، أي: طلب العجلة في الانتهاء من رمي الجمار والتباعد عن منى، ومعنى الطلب من المعاني المشهورة
(1) التحرير والتنوير: ابن عاشور 9/ 155.
(2) إرشاد العقل لسليم 5/ 189.
(3) إرشاد العقل السليم 5/ 189.
(4) المقاييس في اللغة 1063 ـ 1064 (هجد) .
(5) شرح تصريف الزنجاني 74، وينظر: أوزان الفعل ومعانيها 97.
(6) النّفْر او النّفَر: يوم ينفر الحجيج عن منى عند فراغهم من رمي الجمار، المقاييس في اللغة 1002 ...
(نفر) .
(7) ارشاد العقل السليم 1/ 210.