الصفحة 116 من 371

وتأتي صيغة (تفعّل) للدلالة على معانٍ كثيرة منها: التكلّف، والاتّخاذ، والتجنّب، أي إنّ الفاعل جانب الفعل، وحصول أصل الفعل مرّةً بعد مرّة، والطلب، والصيرورة، وغير ذلك [1] .

وقد وردت ألفاظ قرآنية على هذه الصيغة استوقفت أبا السعود في تفسيره، فمن ذلك الفعل (تقبّلها) في قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا.} (آل عمران: من الآية37) إذ ذكر أنّ"صيغة التفعّل مشعرة بحسب أصل الوضع بالتكلّف وكون الفعل على خلاف طبع الفاعل، وإن كان المراد بها في حقّه تعالى ما يترتّب عليه من كمال قوّة الفعل وكثرته." [2]

فكأنّه أراد أنّ المعنى الّذي أفادته صيغة (تفعّل) هو المعنى الأصليّ لها، وهو التكلّف، ولمّا كان المتقبل لها هو الله سبحانه وتعالى، فلا يصح افادتها هذا المعنى، لانه سبحانه تنزه عن ان يضيق عليه شيء فهو القادر المقتدر على كل شيء. لذا فقد دل الفعل (تقبل) ـ هنا ـ على قوة التقبل وشدته.

ومن المعاني الّتي أفادتها صيغة (تفعل) : (المطاوعة) ، وممّا جاء على هذه الصيغة لفظة (يتفطّرْن) في قوله تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا.} (مريم:90) إذ بيّن أبو السعود أنّ معنى (يتفطّرن) "يتشقَّقن مرّة بعد أخرى من عظم ذلك الأمر." [3] ثمّ أورد قراءة أخرى في (يتفطّرْن) ،

وهي (ينفطِرْن) [4] مشيرًا إلى أنّ الفعل الأوّل"أبلغ؛ لأنّ (تَفَعّل) مطاوع (فَعَل) ،و (انفعل) مطاوع (فَعَل) ؛ ولأن اصل التفعل التكلّف." [5]

فأفادت التاء والتضعيف في دخولهما على بنية الفعل المبالغة في المعنى، وفي بيان شدّة غضب الله سبحانه على اليهود والنصارى؛ لادّعائهم الباطل في أنّ الملائكة بناته سبحانه وتعالى عمّا يصفون. وتبعًا لذلك كادت السماوات والأرض تنشقّ مطاوعة لغضب

(1) أوزان الفعل ومعانيها 94 ـ 100.

(2) إرشاد العقل السليم 2/ 29.

(3) إرشاد العقل السليم 5/ 282.

(4) الحجّة في القراءات السبع 143.

(5) إرشاد العقل السليم 5/ 282.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت