وبكثير من الموضوعية، يمكن القول أن الإنجازات والمكاسب التي حققتها الانتفاضة الأولى على مختلف الأصعدة والمجالات كانت كبيرة بحجم وثقل التفاعل الجماهيري فلسطينيًا وعربيًا وإسلاميًا معها، وواضحة وضوح أهدافها البيّنة التي بذل الشعب الفلسطيني خيرة أبنائه وفلذات أكباده دفاعًا عنها، قبل أن يجري الالتفاف عليها، وتفصيل اتفاقات بائسة من وراء الكواليس مضادة لها، أسهمت في صياغة واقع جديد، وخلق مناخات جديدة لم تتح استمرارها وبقاء مظاهرها وفعالياتها.
ومع ذلك فإن هذه الانتفاضة، بكل ما تحمله من إنجازات ومكاسب وإيجابيات، لم تحزْ على اهتمام الباحثين والمهتمين، وتقدح فيهم زناد الفحص والتحليل والتوثيق والإيغال في عمق القضايا التي أثرت فيها، بما يؤهل - بالتالي- لتقديم صورة واقعية حقيقية لأحداث وظروف الانتفاضة، ورؤية تحليلية توثيقية شاملة لقضاياها ومفاعيلها ومفاصلها الرئيسية والحيوية.
فالإنتاج الفكري والثقافي والبحثي الذي تناول الانتفاضة الأولى1987م كان شحيحًا، ولا يوائم حجم ومستوى الأثر الذي خلّفته فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا، بل إن بعضًا منه قد أخطأ الوجهة والمسار، ولم يحسن التعاطي مع هذه القضية بكل ما تحويه من عمق وشمول.
ومن هنا يأتي هذا الإصدار الذي يقدمه المركز العربي للبحوث والدراسات، ليقدم نبذة عن جهاد الشعب الفلسطيني الصامد على أرضه ووطنه، ويوثق لمرحلة تاريخية خطيرة ومفصلية في حياة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، ويقدم إضافة نوعية ومتميزة لبعض الإصدارات التي تناولت دور وأثر الانتفاضة في حياة الفلسطينيين، ومستقبل كفاحهم في سبيل تفعيل قضيتهم وتحرير أرضهم وديارهم ومقدساتهم.