لا ريب أن الانتفاضة المباركة الأولى التي اندلعت عام 1987م كانت منعطفًا تاريخيًا كبيرًا في حياة الشعب الفلسطيني، ومفصلًا فارقًا بين مرحلتين زمنيتين، تغلغل اليأس والإحباط وخور الروح المعنوية، والعديد من المظاهر السلبية في ثنايا المرحلة الأولى منهما، فجاءت الانتفاضة الكبرى لتطوي صفحة رديئة في حياة الشعب والأمة، وتبث في وجدان الجماهير روحًا جديدة، أحيتها بعد خمود، وأيقظتها عقب سبات، ونفضت عنها آثار الماضي الكئيب، وغرست في واقعها جملة من القيم والمبادئ والمفاهيم التي أنارت طريقها، ونقلته إلى حال مغايرة مفعمة بالأمل والإيمان والإدارة والإصرار والثقة بنصر الله.
لذا، لم يكن غريبًا أن يعيش الشعب الفلسطيني حياة جديدة، أعادت إليه حيويته ووجوده الذي سلبته مرحلة الاحتلال، وتقبَّل شرائح معينة من الشعب لواقع الهزيمة والانحلال والانصياع للأمر الواقع، دون أي تفكير بالوطن، وحقوقه، وقضاياه، والافتراس التدريجي الذي يتعرض له على يد زبانية الحكم الصهيوني البغيض.
في تلك الفترة، انحسرت المفاهيم والمظاهر والممارسات السلبية بشكل كبير، وتصاعدت نزعة التدين والعودة إلى الإسلام وقيمه السامية، وارتفعت الروح المعنوية، وزاد التلاحم الاجتماعي، وانطلقت مسيرة الجهاد والمقاومة والكفاح بزخم أصيل وعزيمة عالية، وتربعت القضية الفلسطينية على عرش الأجندة السياسية الدولية، وفرضت ذاتها على مختلف الأطراف الفاعلة والمؤثرة دون استثناء.