وفي العام التالي 675هـ جاءت الأخبار بتجمع التتار والروم من جديد ، فخرج بيبرس بجيشه إلى الشام ، والتقى الجيشان في صحراء الإبلستين وكان التتار أحد عشر ألف مقاتل ، ومعهم جمع من الروم .
ومع بدأ القتال ، حملت ميسرة التتار على ميمنة المسلمين ، فتقدم بيبرس بنفسه إلى الميمنة ، ثم التفت فإذا بميسرة جيشه تكاد أن تنكسر ، فأرسل إليها بعض الأمراء ، وبعد قتال شديد أنزل الله نصره على المؤمنين ، فقتلوا جيش التتار ، وفر الباقون إلى قيسارية .
وبعد انتهاء المعركة جاءت أخبار الهزيمة إلى أبغا ، فجن جنونه ، وأسرع بنفسه ووقف على ساحة المعركة ، فرأى القتلى من التتار ، ولم يجد من حلفائه الروم قتيلًا واحدًا ، فاشتد غضبه وهجم على أهل قيسارية ، وقَتل من الروم مائتي ألف إنسان .
وفي العام التالي 676هـ كانت الفاجعة والمصيبة في بلاد الإسلام ، ومات الملك الظاهر بيبرس رحمه الله .
نعم .. بيبرس الذي جلب من بلاده الأصلية في القفقاس إلى سوريا ، وبيع في سوق العبيد بثمانمائة درهم ، وكان فيه بياض في عينه فرده المشتري بخيار العيب كما ترد البضاعة المعبية ، ثم أصبح ملكًا من أشهر ملوك الإسلام .
بيبرس الذي جمع صفحتين متناقضتين: صفحةً قبل الملك مليئةً بالبطش والمؤامرات والغدر والقتل ، وصفحةً أخرى بعد الملك مليئةً بالرحمة للناس و الإصلاح والدفاع عن الدين .
إذا انفتحت ثغرة في بلاد الإسلام سدها ، وإذا انحلت عروة من عرى الدين شدها، وإذا دهمت طائفة بلاد الإسلام صدها وردها ، فكان بحق الأسدَ الضاري والهزبرَ الكاسر والسيفَ الباتر كما يسميه ابن كثير .
ومع هذا فأنه لم يسلم من بعض الهَنَّات المحذورة ، لكنها في بحر حسناته مغمورة ، تقبل الله منه الحسنات وتجاوز له عن السيئات .