-عليه السلام: بل فعله كبيرهم فيما يلزمكم من اعتقاد عبادتها [1] . ولعلّ في قوله (كبيرهم هذا) من توضيح المقصد بأنْ ألزمهم بتمييز كبيرهم بهذا التي تقطع كلّ شك ٍ لأيّ مقصد آخر. وقوله (فاسألوهم) إمّا أنْ تكون الفاء رابطة، والجملة الفعليّة استئنافيّة، ويكون جواب شرط (إنْ كانوا) محذوفًا دلّت عليه الجملة الاستئنافيّة، أويكون جواب شرط لقوله (إنْ كانوا ينطقون) وجملة الشرط وجوابه من باب إلزامهم بالحجّة [2] .
ورأى جعفرباقر الحسينيّ أنّ إبراهيم - عليه السلام - قد سلك مسلكًا تعريضيًّا لقصد إلزامهم بالحجّة (( على ألطف وجه وأحسنه بحملهم على التأمل في شأن آلهتهم مع ما فيه من التوقّي من الكذب؛ لأنّه قال: فاسألوهم إنْ كانوا ينطقون، وذلك على سبيل الاستهزاء. وهذا من رموز الكلام. وبعبارة أخرى: إنّ قصد إبراهيم - عليه السلام - لم يرد به نسبة الفعل الصادر عنهم إلى الصنم وإنّما قصد تقريره لنفسه وإثباته على أسلوب تعريضيّ يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجّة وتبكيتهم ) ) [3] . إنّ تكسير الأصنام مع استبقاء الصنم الأكبر فيه (( دلالة فنّية من حيث بناء القصة ودلالة فكرية من حيث سلوك إبراهيم، هذه الدلالة هي: أنّ تحطيم الأصنام من الممكن أنْ يقترن في أذهان هؤلاء الحمقى، بأنّها قد أصبحت في حكم العدم، وإلى أنّ بقاء واحد منها حيًّا من الممكن أنْ يسعفهم بالإجابة عن أسئلتهم، بل يمكن الذهاب - بنحو ٍ أو بآخر من أنحاء الاستخلاص الفنّيّ - أنّ إبقاء الصنم الكبير سيحسم الأمور تمامًا عندما يعي القوم - ولو للحظة - أنّ الصنم الكبير لا يملك قابليّة على النطق أبدًا وفي هذا كفاية لتحسيس القوم بواقع الغفلة التي يحيونها ) ) [4] . وقد يكون في عدم كسر الصنم الأكبر إيحاء للكفّار بأنّ التعدّد للآلهة غير صحيح، بل لا بدّ من خلافٍ قائم بينها، وبالتالي: فإنّ الباقي الوحيد من الأصنام، يوحي بالواحد الغالب القاهر فوق الجميع، فلا شريك له ولا منازع والله أعلم.
(1) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 11/ 198 ـــ 199، وروح المعاني 17/ 87، والميزان 14/ 301.
(2) ينظر: مجمع البيان 7/ 148، وإرشاد العقل السليم 6/ 74 ـــ 75، وروح المعاني 17/ 86 ــ 87.
(3) اساليب البيان في القرآن / 774 ـــ 775، وينظر: بلاغة التراكيب /142، وعلم البيان: بسيوني عبد الفتّاح / 261، أصول البيان العربيّ في ضوء القرآن الكريم / 152.
(4) قصص القرآن الكريم دلاليًّا وجماليًّا 2/ 55.