كنتم صادقين)، كما أنّها شرط جوابه محذوف دلّ عليه الكلام المُتقدّم [1] (فادرءوا) . وقد يكون قوله (فادرءوا) جوابًا متقدّمًا على شرطه، وقُدّم لإظهار الاهتمام والتكذيب للمنافقين في ادّعائهم، فلا يحتاج إلى تقدير المحذوفين. وفي قوله (عن أنفسكم) دلالة لتكذيب المنافقين، فمَن لا يدفع عن نفسه لا يدفع عن غيره، ولعلّ في جمع (أنفسكم) جمع قلّة؛ تصغيرًا لشأنهم وتحقيرًا لهم. وقوله (الموت) بالتعريف للدلالة على أيّ سبب من أسبابه. ويكون معنى قوله (فادرءوا عن أنفسكم الموت) ... )) استهزاء بهم، أي: إنّ كنتم رجالًا دفّاعين لأسباب الموت، فادرءوا جميع أسبابه، حتّى لا تموتوا، كما دراتم في زعمكم هذا السبب الخاص )) [2] . ورأى الزركشيّ [3] أنّ قوله (فادرءوا عن أنفسكم الموت) للتعجيز. وقد يكون التعبير الافتراضيّ جامعًا لأغلب هذه الدلالات، فكثيرًا ما تشتمل السياقات القرآنيّة على أكثر من معنى ودلالة، وهو المعبّر عنه بالمعاني الثواني والثوالث.
ومن الأمثلة الافتراضيّة التي تعطي الدلالة على التهكّم والاستهزاء، قوله تعالى: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء 63] .
فقد دلّت الآية على الافتراض [4] . ورأى العلويّ أنّ دلالة الآية (( التهكّم والاستهزاء والسخرية بعقولهم ) ) [5] . ورأى ابن قتيبة أنّه (( أراد بل فعله الكبير إن كانوا ينطقون فسلوهم، فجعل النطق شرطًا للفعل، أي: إنْ كانوا ينطقون فقد فعله، وهو لا يعقل ولا ينطق ) ) [6] . وذكر العلماء آراءً في تفسير الآية، منها: أنّ تقدير الجملة: بل فعله مَن فعله، وقوله (كبيرهم هذا) جملة جديدة، ومنها: أنّ الكفّار لم ينكروا أنْ تكون أصنامهم تفعل ذلك، فكان معنى قول إبراهيم
(1) ينظر: روح المعاني 4/ 452.
(2) إرشاد العقل السليم 2/ 111.
(3) ينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 156.
(4) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 11/ 198، والميزان 14/ 300، والتحرير والتنوير 17/ 74.
(5) الطراز / 182، وينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 193.
(6) تأويل مشكل القرآن / 166.