فقد جاءت الآية الكريمة على سبيل الافتراض [1] ، وقد قصد بهذا الفرض (( التعريض لغير الرسل؛ لأنّ الله سبحانه قد عصمهم عن الشرك، ووجه إيراده على هذا الوجه التحذير والإنذار للعباد من الشرك، لأنّه إذا كان موجبًا لإحباط عمل الأنبياء على الفرض والتقدير، فهو محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأولى ) ) [2] والآية دالّة على التعريض لأنّه (( إنْ قلت: كيف صحّ هذا الكلام مع علم الله تعالى أنّ رسله لا يشركون ولاتحبط أعمالهم؟ قلتُ: هو على سبيل الفرض، والمحالات يصحّ فرضها لأغراض، فكيف بما ليس بمحال ) ) [3] . وفيها يقول الطبرسيّ نقلًا عن ابن عبّاس قوله (( هذا أدب من الله تعالى لنبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ لأنّ الله تعالى قد عصمه من الشرك ومُداهنة الكفّار ) ) [4] .
وقد جاء التعبير الافتراضيّ مبدوءًا بقوله (لئن أشركت) ، وهو تعبير (( محمول على إرادة الأمّة لعصمة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنّما المراد مَن يمكن أنْ يقع ذلك منه، وخوطب هو - صلى الله عليه وسلم - تعظيمًا للأمر ) ) [5] . ورأى بعض المفسّرين أنّ (( هذه الخطابات القرآنيّة من قبيل(إياكِ أعني واسمعي يا جارة) فمعناه أنّ التكليف لمّا كان من ظاهر أمره أنْ يتعلّق بمَن يجوز عليه الطاعة، والمعصية، فلو تعلّق بمَن ليس منه إلاّ الطاعة مع مشاركة غيره له كان ذلك تكليفًا على وجهٍ أبلغ، كالكناية التي هي أبلغ من التصريح )) [6] . وقد كثرت المؤكّدات قبل التعبير الافتراضيّ وفيه، فقد أكّد باللام وقد، واللام الموطئة للقسم، ونون التوكيد الثقيلة في الفعلين (يحبط) ، و (تكون) .
ونحو ذلك قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [سورة ص 23] .
(1) ينظر: الكشّا ف 4/ 137، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل 5/ 48، والبحر المحيط 9/ 219، وإرشاد العقل السليم 7/ 262، وتفسير شبّر /465، والتفسير الواضح 2/ 333.
(2) فتح القدير، الشوكانيّ 4/ 592، وينظر: بحث الفرضية في التعبير القرآنيّ الكريم / 10.
(3) الكشّا ف 4/ 137.
(4) مجمع البيان 8/ 612.
(5) الجواهر الحسان 5/ 99.
(6) الميزان 17/ 126، وينظر: تفسير شيّر /465.