9 -التعريض:
عرّف السيد الجرجانيّ التعريض بقوله: (( ما يفهم به السامع مراده من غير تصريح ) ) [1] . وعرّفه التفتازانيّ بقوله: (( أنْ ينسب الفعل إلى واحد والمراد غيره ) ) [2] . ويبدو أنّ الآيات التي تخاطب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وتنسب إليه أفعالًا لا يصحّ أنْ تكون صادرةً عنه، فيها تعريض بالأمّة من بعده حتّى لا يقوموا بمثل هذه الأفعال، فافترضت لهم هذا الفرض المستحيل للنبيّ عليه الصلاة والسلام، وتوعّدته بالحساب والعقاب إنْ هو قام بهذه الأفعال. وقد يكون الكلام في حقيقة الأمر للأمّة لا لشخص النبيّ - عليه السلام -. ويلحظ أنّ الثعالبيّ يؤكّد على هذه المسألة ويعلّلها بقوله: (( قد تقدّم غير ما مرّة بأنّ ما ورد من مثل هذا، فهو محمول على إرادة الأمّة لعصمة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنّما المراد مَن يمكن أنْ يقع ذلك منه، وخوطب هو - صلى الله عليه وسلم - تعظيمًا للأمر ) ) [3] .
ومن الآيات الافتراضيّة التي جاءت دالّة على التعريض، قوله تعالى: {قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام 15] .
فقد جاءت الآية على سبيل الافتراض [4] . وجاء التعبير على سبيل الجواب الملقّن بـ (قل) ، وجاء الكلام بعدها مؤكّدًا بـ (إنّ) في قوله (إنّي أخاف) ، وقوله (أخاف) بمعنى: أوقن وأعلم [5] . ثُمّ جاء التعبير الافتراضيّ (إنْ عصيت) ، واستعمل حرف الشرط (إنْ) ، وجملة الافتراض (( الشرطيّة معترضة [بين الفعل ومفعوله(عذاب) ] ... والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه، وفيه قطع لأطماعهم الفارغة، وتعريض أنّهم عصاة مستوجبون للعذاب )) [6] . وجاء التعريض لهم (( حيث أسند إلى ضمير المتكلّم ما هو معلوم الإنتفاء. وقرن بـ(إنْ) التي تفيد الشكّ
(1) التعريفات / 48.
(2) شرح المختصر /139.
(3) الجواهر الحسان 5/ 99.
(4) ينظر: شرح المختصر /139 ـــ 141، وروح المعاني 7/ 142.
(5) ينظر: مجمع البيان 4/ 27.
(6) إرشاد العقل السليم 3/ 117، وينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 2/ 397، وتفسير شبّر /129.