الصفحة 175 من 227

ونحو ذلك قوله تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء 88] .

فقد جاءت الآية الكريمة دالّة على الافتراض [1] . وقد جاء التعبير الافتراضيّ مسبوقًا بالفعل (قل) الدالّ على تلقين الجواب من الله تعالى لنبيّه - عليه السلام -. وفي قوله (الإنس والجنّ) تخصيص لاجتماع الثقلين بالذكر؛ لأنّ المنكر لكونه من عند الله تعالى منهما لا مِن غيرهما، لا لأنّ غيرهما قادر على المعارضة [2] . والتحدّي كان للإنس دون الجنّ، غير أنّ السياق (( ذكر الجنّ مبالغة في تعجيزهم لأنّهم إذا عجزوا عن الإتيان بمثله ومعهم الجنّ القادرون على الأفعال المستغربة، فهم عن الإتيان بمثله وحدهم أعجز ) ) [3] . و (على) في قوله (على أنْ يأتوا) للتعليل [4] . ويلحظ أنّ التعبير قال (بمثله) ولم يقل: به؛ (( احترازًا عن أنْ يُتوهّم أنّ له مثلًا مُعيّنًا، وإيذانًا بأنّ المراد نفي الإتيان بمثل ما، أي لا يأتون بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات الجليلة لشأن، وفيهم العرب العُرباء أرباب البراعة والبيان ) ) [5] . وجاء التعبير بافتراض آخر في قوله (ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا) ، وهو افتراض صُدّر بـ (لو) ، أي (( لا يأتون بمثله على كلّ حال مفروض ) ) [6] . وقوله (ظهيرًا) يعني مُعينًا [7] ، ولفظها مأخوذ من الظهر، كما الرئيس من الرأس [8] . فالدلالة في الافتراض الثاني (( دلالة واضحة، فإنّ الإتيان بمثله حيث انتفى عند التظاهر فلأنْ ينتفي عند عدمه أولى ) ) [9] .

(1) ينظر: إرشاد العقل السليم 5/ 194، وروح المعاني 15/ 211.

(2) ينظر: إرشاد العقل السليم 5/ 193.

(3) روح المعاني 15/ 210،وينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 73.

(4) ينظر: مغني اللبيب 1/ 164، والجنى الداني / 477.

(5) روح المعاني 15/ 210.

(6) روح المعاني 15/ 211، وينظر: إرشاد العقل السليم 5/ 194.

(7) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن /540 (ظهر) .

(8) ينظر: الميزان 13/ 86.

(9) إرشاد العقل السليم 5/ 194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت