ونحو ذلك قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة 145] .
فقد أعطت الآية الكريمة معنى الافتراض [1] . وقد جاء التعبير الافتراضيّ مسبوقًا بقوله ... (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكلّ آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض) . فقوله (ماتبعوا قبلتك) جواب الشرط، ويبدو أنّ نفي الفعل الماضي بـ (ما) فيه دلالة الجزم والقطع. وقوله (وما أنت بتابع قبلتهم) نفي لاتّباع النبيّ عليه السلام لقبلتهم، وهذه الجملة أبلغ في النفي من الجملة الأولى لـ (( كونها اسميّة، وتكرّر الإسم فيها مرّتين، وتأكّد نفيها بالباء ) ) [2] ، ومعنى قوله (وما بعضهم بتابع قبلة بعض) ، اليهود والنصارى، وفيه دلالة على أنّ المخالفة والعناد موجود حتّى فيما بينهم [3] . ثُمّ جاء التعبير الافتراضيّ بقوله (ولئن إتّبعت ... أهواءهم) مصدّرًا بـ (لئنْ) ، وجاء الفعل بعدها بالزمن الماضي وقد يكون فيه دلالة على عدم التحقّق. والهوى في قوله (أهواءهم) يعني (( ميل النفس إلى الشهوة ) ) [4] . ويلحظ في قوله (من بعد ما جاءك من العلم) أنّه جعل ما جاءه نفس العلم [5] . وجاء قوله (إنّك إذًا لمن الظالمين) جوابًا للشرط. وقد جاء التعبير الافتراضيّ مؤكّدًا بوجوه (( وهي القسم واللام الموطئة له وإنْ
(1) ينظر: الكشّا ف 1/ 202، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل1/ 112، والبحر المحيط 2/ 30،وإرشاد العقل السليم 1/ 175، وروح المعاني 2/ 561، والتحرير ةالتنوير 2/ 37.
(2) روح المعاني 2/ 561.
(3) ينظر: المصدر نفسه 2/ 561.
(4) مفردات ألفاظ القرآن /849 (هوى) .
(5) ينظر: روح المعاني 2/ 562.