وهذه المظاهر التأثيرية للقرآن على الكافرين نلمحها في شتى الازمان والاعصار ، فهي لا تقتصر على معاصري الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ واصحابه وانما نراها دائمًا عند ما يترك القرآن آثاره على فئة مؤمنة ، فتستقيم بها على نهج ، وتعجز قوى الكفر والشرك عن دفع هذه الآثار القرآنية المعجزة بالعقل والمنطق والحجة والبيان ، فتلجأ الى الايذاء البدني الذي يصل الى حد المحو والابادة .
3-قد يزعم بعض الطاعنين في اثر القرآن على النفوس انه لم يؤثر الا على فئة من عامة النسا وضعفائهم: ولعل النص الثالث الذي يكشف خبيئة ثلاثة من كبار قريش (ابو سفيان ، وابو جهل ، والاخنس بن شريق) يرد هذا الطعن ويهدمه ، فلم يقتصر الامر على عوام مكة وضعافها ، وانما شمل أشرافها وسادتها ، فاثر القرآن لا يختص بنفس ، ولا يتعلق بعوام الناس او بشأراهم ، انما هو يمس القلوب المتفتحة له ، مهما كان حاملها ، شريفًا كان أم وضيعًا ، ولذلك كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واصحابه يجابهون القوم كل القوم بتأثير القرآن ، دون تمييز بين مستوياتهم الاجتاعية ، او الادبية ، او المادية .
4-ان قوله أبي سفيان للأخنس بن شريق عن تأثير القرآن بعد سماعهما له: ( يا أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت اشياء اعرفها ، وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ، ولا ما يراد بها(139) .
ورد الاخنس عليه: (وانا والذي حلفت به كذلك) قوله تدل على وقوع تأثير عقلي من نوع ما في تفكير الرجلين ، وعلى ادراك لبعض المعاني التي سمعاها من القرآن الكريم ، بيد ان هذا التأثر كان ضعيفًا ، لم يثبت امام عنجهية ابي جهل واستكباره ، وحرصه على اماتة أي تأثير للقرآن في عقله ، فجعل للحديث معهما مجرى آخر ، اذ لم يناقشهما فيما سمعا ، وانما تحدث عن منافسات اجتماعية بائدة ، لا تتصل بما سمعه الرجلان من قريب او بعيد.