وظلت قريش بوسائلها المتنوعة مع الطفيل ، ترهبه مرة ، وتغريه أخرى ، تى تأثر الطفيل بما قالته ، فسلك مسلكًا عجيبًا للمبالغة في البعد عن تأثير القرآن فاخذ لنفسه الحيطة والحذر من أي لقاء لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ او سماعه ، ولكن لا يكفي هذا ، اذ ربما تسللت آيات القرآن الى أذنيه ـ عبر الأثير ـ من فم طاهر يتلوها ، فلا بد من قطع هذه الطريق ايضًا ، ولا بد من اقامة موانع ـ ولو مادية ـ تمنع وصول الاشعاع القرآني الى عقله او قلبه ، ماذا يصنع الطفيل حيال هذا الغازي الذي ينتقل عبر الاثير فيغزو العقل والقلب معًا ؟ فلنسمعه يقول:
(فوالله ما زالوا بي حتى اجمعت ان لا أسمع منه شيئًا ، ولا أكلمه ، حتى حشوت في أذني ـ حين غدوت الى المسجد ـ كرسفا ، فرقا من ان يبلغني شيء من قوله ، وانا لا اريد ان اسمعه .
لقد آتت حرب قريش للقرآن ـ او بالاحرى لتأثير القرآن على النفسو ـ اكلها ، فان الإنسان بما اودعه الله فيه من اجهزة متنوعة ومختلفة ومن نفس ـ عجز الباحثون عن ادراك كل جوانبها ومناحبها ـ لا بد له ان يتأثر بما يسمع، ولكن ماذا يسمع ؟ والى أي مدى يلتقي هذا الذي يسمعه مع فطرة الإنسان وجبلته ، وطوايا نفسه ؟ من هنا تكون غلبة المؤثر على من يتأثر به.
فالطفيل تأثير بكلام قريش ضد القرآن قبل سماعه ، فعزم على عدم السماع ، والتمس لذلك حيلة لا تليق بالعقلاء الكبار من أمثاله ، وقد نسي الطفيل ان الموانع المادية أضعف آلاف المرات من العوامل النفسية امام التأثيرات الخارجية ،وبخاصة اذا كانت تأثيرات آيات الرحمن القرآنية !! ليضع الطفيل كرسفا ، او رصاصا ، فان ذلك لا يلبث ان ينهار بأيدي صانعيه ، ذلك انه يخالف ما تعرفه الفطر السليمة ، وما تعتاده العقول الصحيحة .