الطفيل بن عمرو ـ كما تصفه الرواية ـ: يختلف عمن سواه ، انه شاعر شريف ، لبيب ، انها صفات تجمع بين الذكاء العقلي الحاد ، والاحساس الوجداني المرهف ، اضافة الىشرف المكانة السامقة في قبيلته ، ومن هنا كان اهتمام قريش بهذه الشخصية المؤثرة فيمن حولها ، فلتبدأ قريش بغزوها الفكري لهذه الشخصية الفذة الوافدة عليها ، قبل ان يسمع القرآن فيفكر فيه ، ويتأثر به ، او يؤثر فيه ، فيسلم ، فتعظم بذلك طامة قريش ومصيبتها ، وها هم يتحدثون مع الطفيل بكل ما من شأنه ان يصده عن الاسلام ، ويمنع عنه تأثير القرآن ، فيصفون له محمدًا: إنه (قد أعضل بنا ، وفرق جماعتنا ، وشتت أمرنا) ، ويصفون له القرآن: إنه (كالسحر ، يفرق بين الرجل وبين أبيه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وبين زوجته) ، ووصيتهم له ولغيره (وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمنه ، ولا تسمعن منه شيئا) .
هكذا ـ بكل اسلوب من اساليب التوكيد ـ قدمت قريش كل ما لديها من غزو فكري مضاد لتأثير القرآن على ضيفها، وألقت الرعب والخوف في قلبه ، وصورت له الامر على غير حقيقته ، وبغير صورته ، فإياك ياطفيل ، ثم اياك ان تسمع شيئًا من القرآن ، لكن المحاربين للقرآن في كل العصور والازمات ينسون حقيقة وبديهة هامة ، هي: انهم بحربهم الضروس على القرآن انما يفتحون له بذلك العقول والقلوب الحية النابضة ، لتتاسءل عما فيه من سر يشعل الحرب حوله بين اعدائه وبين متبعيه ، انهم سيرون انه كتاب يختلف عن سائر ما يعهده البشر من كتب ، ان البشر يختلفون يحاله هذا الاختلاف ويتعادون بسببه هذا العداء ، انها مسألة لابد ان تثير ذهن من له مسكة عن عقل او فكر او وجدان .