(سمع عمر آيات القرآن ، فرق لها قلبه ، وتعاظمت في صدره ، فوقع السالام منه كل موقع ، فبكى ، وقال: ما أحسن هذا الكلام وأ:رمه) : هذا الترتيب يكشف في تصوري ـ والله أعلم ـ مراحل التأثير القرآني التي مر بها عمر ، فقد سمع ، وقد تخلى في لحظة سماعه ـ او شاء الله له أن يتخلى ـ عن موانع التأثير: ـ كالاستكبار ، واتباع الآباء والأجداد ، وكل جواذب الارض ، وما تتبدى فيها من مظاهر اجتماعية ، او مالية ، او أدبية ... الخ.
ولحظة هذا التخلي هي التي جعلت القرآن يتفاعل مع فطرته السليمة الصحيحة التي تغشت او تلوثت بعض الشيء بلوثات الجاهلية ، فلما تفاعل معها القرآن الالهي المصدر مع الفطرة الالهية الخلقة تبدي من ذلك رقة في القلب ، ضد ما كان فيه من قسوة وغلظة وجفوة ، جعلته يلطم اخته فيدمي وجهها ، وترتعد منه فرائس ضعاف المسلمين عندما يسمعون صوته ، ويستلذ عمر بهذا الاحساس الجديد الجميل الذي يتسرب في قلبه ، ويتسلل في حنايا نفسه ، ويهز احساسه ووجدانه ، فيتعاظم ذلك في صدره ، انه شيء عظيم ، يملأ هذا الصدر العظيم ، شيء لا يعرفه عمر ، ولا يعهده ، انه شيء أكبر من كبرياء عمر ، وأكبر من غطرسته واعتزازه بنفسه ، انه أكبر مما سمعه طوال سني عمره ، فلا شعر ، ولا سحر، ولا كهانة ، ولا أساطير الاولين ، ولا حكمة المجربين ، تتعاظم في صدر عمر كما تعاظمت آيات القرآن ـ ويدخله الاسلام ـوهو تعبير دقيق ـ انه استسلام العظماء ، وانقياد الاعزة لخالق العظماء وصاحب العزة .
وبعد كل ذلك تأتي عبارة عمر اللسانية ( ما أحسن هذا الكلام وأكرمه) التي يسمعها السامعون قبل ان يعرفوا ما دار في نفس عمر ، وما عاناه من تأثير قبل النطق بهذه الكلمات التي لا تمثل في قول القائلين في وصف القرآن كثيرًا ، الا انها لم تأت الا بعد أن تكبد صاحبها من المعاناة النفسية الكثير والكثير.
2-إسلام الطفيل بن عمر والدوسي