في الصنعة والفصاحة عنه ، وكذلك لا يعرف المتناهي والمُجِيدُ في الشعر وحده ، أو من بلغ الغاية في معرفة الخطب أو الرسائل وحدها من غور هذا الشأن ـ أي إعجاز القرآن ـ ما يعرفه من استكمل معرفة جميع تصاريف الخطاب ووجوه الكلام وطرق البراعة ، فلا يقف المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها على الإعجاز دون تحققه من عجز البارع في هذه العلوم كلها عنه ، فأما من كان متناهيًا في معرفة وجوه الخطاب وطرق البلاغة والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه ، ووقع في نفسه ما يدهشه ويذهل عقله (1) ، ويطرح السؤال نفسه:من أين لهذا الكلام الإعجاز؟ ، ومن أي جهة يُبحثُ عن دلائل الإعجاز فيه ؟ هل من جهة ألفاظه ؟ وكيف ؟ وألفاظه التي نُظم منها هي نفسها الألفاظ المتداولة المعروفة للعرب ، والتي نظموا منها شعرهم ، وصاغوا منها حكمهم وأمثالهم وخطبهم ، هل من جهة تركيب عباراته وجمله ؟ وكيف ؟ والقرآن لم يخرج عن قواعد اللغة العربية ، ولم يبعد عن أساليب القول التي تواضع عليها العرب وتعاملوا بها ، هل من جهة معانيه التي احتوتها آياتُه وألفاظُه وسورُه ؟ كيف ؟ والمعاني التي دارت حولها آيات القرآن كانت معروفة عند العرب في جملتها ، وخاصة الأخلاقيات منها ، وإن لم يستقيموا عليها أو على كثيرٍ من مفاهيمها ، وإنك أخي القارئ أينما قلبت وجوه الرأي في الكلام العربي وأساليبه لن تجد القرآن الكريم خارجًا على وجه واحدٍ منها خروجًا غير مألوف ؛ بحيث يعد وجهًا جديدًا مفردًا جاء به القرآن يُرى منه وجهُ الإعجاز الذي لا يقدر الناس
على مثله رؤيةً واضحةً محددةً (2) ، ومع هذا فالقرآن معجز ، ومع هذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-إعجاز القرآن:: أبوبكر محمد بن الطيب الباقلاني ،القاهرة ، دار المعارف ، الطبعة الرابعة ، 1964 ، ص25
2-الإعجاز في دراسات السابقين:عبد الكريم الخطيب ، ص 149