الصفحة 20 من 113

الإعجاز أيضًا صار الكشف عن وجه الإعجاز والتعرف على دلائله مطلبًا عزيزًا ، انصرفت إليه همم الباحثين والدارسين من المسلمين وغيرهم ؛ ليقعوا على السر الذي من أجله كان القرآن بهذه المكانة العالية ، والتي لا ينالها أحد ولا يطمع فيها بشر ، مع أنه كلام من الكلام المعروف المألوف .

وجوه الإعجاز القرآني

احتدمت شدةُ النزاعِ على أوجهِ الإعجاز القرآني بين علماء المسلمين، وأيًا ما قالوا فيها فالذي لا ريب فيه هو أن الإعجاز البلاغي لم يكن قط موضع جدلٍ أو خلافٍ ، وإنما الاختلاف بين المسلمين في عدِّه وجه الإعجاز الوحيد ، أو القول معه بوجوه أخرى (1) ، وعلى الرغم من هذا الاختلاف بين العلماء إلا أنهم مقرون بأن القرآن الكريم له بلاغة وفصاحة غريبة ومعجزة ، فما انفرد به القرآن وباين به سائر الكلام أنه لا يَخْلَقُ على كثرة الرد ، وطول التكرار ، ولا تُملُّ منه الإعادة ، وكلما نظرت إليه وجدته غضًا طريًا ، وجديدًا منمقًا ، ووجدت في نفسك له نشاطًا مستأنفًا ، وحسًا موفورًا ، وهذا أمرٌ يذهل فكرَ العاقلِ ، ويملأ صدرَ المفكرِ بما يرى من إعجاز النظم وبلاغته ، وبالهمس والجهر والقلقلة والصفير والغنة والمد ونحوها ، على اختلاف ذلك في الآيات ، بسطًا وإيجازًا وابتداءًا وردًا وإفرادًا وتكرارًا (2) ، ومما به أيضًا الجمع بين صفتي الجزالة والعذوبة ، وهما كالمتضادين ، لا يجتمعان غالبًا في كلام البشر ، ومع هذا نجد تباينًا فرعيًا وليس أصليًا ، أي ليس في الجوهر؛ فتنوعت آراؤهم حول الإعجاز ، وأرجعوا إعجازه إلى نواحٍ متعددة في معناه ومبناه ؛ فقال بعضهم بالصرفة ، وعنوا بها أن الله تعالى صرف الهمم عن معارضته ، وشاعت نسبة هذا القول إلى المعتزلة ، ونُقلَ فيه كلامُ عددٍ من متقدمي شيوخهم ، ومنهم أبو إسحاق النظام ، وعباد بن سليمان (3) ، ووجوه

حججهم بالصرفة أنه إذا جاز عقلًا عدم تعذر المعارضة ثم عجز بلغاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت