الصفحة 18 من 113

وهذا ما سنقف عليه موضحين - إن شاء الله - أوجه الإعجاز القرآني عند علمائنا الأجلاء رحمهم الله .

اختلاف العلماء في الاستدلال على وجوه الإعجاز القرآني.

تتنافس العربُ أيام الجاهليةِ في نظم القصيد والرجز ، وفي الخطب المنثورة ، ورُويتْ عنهم أمثال وأحاديث ، وكان ما يفيض من قرائح شعرائها وخطبائها في المفاخرات والمنافرات والمهادنات من دواعي الإعجاب والاغتباط ، وما كان لكل عربي أن يتفتق لسانه بقول الجيد من الشعر أو النثر ؛ فقد يمر جيل أو جيلان ولا يظهر في القبيلة شاعرٌ أو خطيبٌ يعلي صوتَها وصيتها ، ويعدد مآثرها، ويرهب بسلطانِ بلاغتِهِ عدوَّها ؛ فالبلاغة والبيان والفصاحة أمور لابد منها للقبيلة ؛ مما أدى إلى ظهور فنون القول لدى العرب ونبوغهم فيها (1) . وعلى الرغم من هذا فإن العرب أذعنوا للقرآن ، وأقروا بإعجازه وشهدوا على أنفسهم بالعجز عن مطاولته في أقصر سورة .

كلامٌ معجزٌ ، ليس ثمة شك في ذلك ؛ إذ قامت الشواهدُ والأدلةُ الواضحةُ و القاطعةُ المتصلةُ أبد الدهر على وقوع الإعجازِ بهذا الكلامِ (2) ، ولا يعلم الأعجمي أنه معجز إلا إذا علم عجز العرب عنه ؛ إذ هو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لايحتاجها من كان من أهل اللغة وفصاحتها وبلاغتها نفسها ـ أي العربي - ، فإذا عرف عجز أهل اللغة والفصاحة والبلاغة حل محلهم وجرى مجراهم في إقرارهم بالإعجاز فيه ، وبالتدرج في مستويات النطق والفصاحة لا يخفى علينا أن المتوسط من أهل اللغة واللسان لا يعرف من إعجاز القرآن ما يعرفه غيره ممن له تَمَكُّنٌ في هذه الصنعة ، فربما حل في هذا الموضع

محل الأعجمي في أنه لا يقف على إعجاز القرآن حتى يعرف عجز المتناهي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-أمراء البيان:محمد كرد علي،بيروت،دار الأمانة،مطابع دار الكتاب ط 3 1969 ص 1

2-القرآن العظيم هدايته وإعجازه: محمد الصادق عرجون ، ص157

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت