الصفحة 15 من 113

إن القرآن الكريم ليس له تلك المخلوقات العجيبة والمجسدة ليومهن ، وليست بالمعجزات التي تخرج في وقتها فيكون عمرها عمر ذلك الوقت ، ومن ثم لا يُعرف لها مكان ولا وجود ، فأين كلمات عيسى عليه السلام التي يحي بها الموتى ، وأين عصا موسى عليه السلام وأين يده ، لقد أدتا دورهما في الحياة ثم لم يعد لهما وجود ؛ فكلمات القرآن لم تخلق شيئًا من تلك الصور المعجزة ، شأنهن شأن الكلام المألوف الذي يجري على ألسنة الناس ، ولقد جعلهن الله يجرين على الألسنة إلى يوم القيامة ، لا تتغير صورهن ولا تتبدل بل يظللن هكذا ؛ كلامٌ مما يتواصل به الناس ، ويتعاملون به ، وينظمون أشعارهم ويؤلفون خطبهم ، كما كان شأن هذا الكلام قبل أن ينزل القرآن على نبينا الكريم عليه أفضل صلاة المصلين (1) .

غير أن هذا الكلام المألوف المعروف على ألسنة العرب حين ضمه القرآن إليه ، وجاءت آياته منه ، وجاءت عليه أحكامه وقصصه وجدله ومواعظه وزواجره قد أصبح منذ ذلك الوقت معجزة قاهرة ، تتحدى الناس جيلًا بعد جيل وأمة بعد أمة ، قال تعالى:? فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ? (2) ،ومع أن اللغة لغتهم والحديث حديثهم والألفاظ هي نفسها التي يتلفظون بها،إلا أنه قد عجز أكثرهم بلاغة،وأفصحهم لسانًا؛فلم يأتوا بآية واحدة (3) . ولكن أين المعجزة في هذا الكلام ؟ وما الذي يبدو للناس منها ؟ وكيف يضع الناس أيديهم على المعجزة ، ويرفعون أبصارهم إليها ؟ ، لا تُرى

بالعين ولا تُلمس باليد ، ولم يخرج من هذا الكلام ما يراه الناس بأعينهم ، ولم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-الإعجاز في دراسات السابقين:عبد الكريم الخطيب ، ص146

2-الطور 34

3-مناهل العرفان من علوم القرآن: محمد عبد العظيم الزرقاني،القاهرة،المطبعة الفنية،دت ص128

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت