الصفحة 4 من 14

من مُبْلِغٌ عني الوجيهَ رسالةً ... وإن كان لا تجدي إليه الرسائلُ ...

تمذهبتَ للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لما أعوزتكَ المآكلُ ...

وما اخترتَ قولَ الشافعيِّ تدينًا ... و لكنما تهوى الذي منه حاصلُ ...

وعما قليلٍ أنتَ لا شكَّ صائرٌ ... إلى مالكٍ فأفطنْ لِمَا أنا قائلُ

وهكذا حصل لبعضهم من التنقل في المذاهب لأجل المناصب، وقد يكون كبير القضاة على مذهب فيغير لأجله وهكذا.

وبعضهم إذا تغيرت به البيئات افتتن بانتقاله إلى بيئة جديدة أو بلد جديد، رأى فيه ما حّير لبه وأطاش عقله، وكان رفاعة رافع الطهطاوي حافظًا للقرآن الكريم، قارئًا للفقه والنحو، حافظًا للمتون على أيدي المشايخ، ألتحق بالأزهر وهو في السادس عشره لكنه لما سافر عام 1826م إلى فرنسا ضمن بعثة طلابية أرسلها محمد علي واختير إمامًا لها، عاد بعد خمس سنين وقد ألف كتاب (تَخْلِيصُ الإِبْرِيزِ فيِ تَلْخِيصِ بَارِيز) . فترجم متون الفلسفة والتاريخ الغربي والعلم الأوروبي والآثار المصرية القديمة، وذهب في متاهات الدنيا، {وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طه:131) .

فصارت قضية النساء المتبرجات وما عليه القوم من التقدم والتمدن بزعمه قد غيّر مذهبه، وطريقته وكلامه، وهكذا يزعم بعضهم إذا انتقل إلى البيئات والتي يقولون عنها منفتحة فإذا به يغّير كلامه ويغير آرائه ويغير قناعاته.

ومن الناس يغير قناعاته ولو كانت فقهية، فينتقل من أن هذا واجب إلى أنه مستحب، ومن أن هذا محرم إلى أنه مكروه أو مباح طلبًا لإرضاء الناس ومحافظة على الجماهيرية، ولئلا ينفروا من حوله، ولأن هذا ما يطلبه المشاهدون، كي يرضوا عنه، بزعمه يظن بأنهم سيؤيدونه على هذا، فإذا بدأ المدح وخصوصًا من بعض المنافقين ومن أهل العلمنة الذي يحسنون استدراج مثل هؤلاء الذين كانوا يومًا ما على طريق هداية وعلى ساحل حق وعلى مذهب سنةٍ ودينٍ، وعلى دليلٍ، فسحبوهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت