فقال: لئن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء -يعني من الذهب والفضة - على ظهر الأرض.
الآن لم يبقى من آثار النبي -عليه الصلاة والسلام- شيء، لا سيف ولا عصى ولا ثوب ولا شعره، وما في المتاحف كذب ولم يثبت، ولكن بقيت سنته، بقي القرآن الذي نزل عليه قبل ذلك، وبقي لنا هذان الوحَيان وآثار أصحابه، وشروح التابعين، وبقي لنا الإيمان به والشوق إليه، وهو الذي قال: (( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ لَيَاتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ ) )مسلم (2364) .
قال العراقي في طرح التثريب"أي: (( يَاتِي عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ لأَنْ يَرَانِي فِيهِ لَحْظَةً ثُمَّ لَا يَرَانِي بَعْدَهَا أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ جَمِيعًا ) ). شرح مسلم. طرح التثريب (7/ 387) ."
فماذا تكون مشاعر الإمام البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبي داود وأحمد والبيهقي وأهل الحديث كافة وهم يكتبون الحديث عنه ويجولون في البلاد لجمعه، ويسهرون الليل لكتابته، ويدرسون علل الأساليب، ماذا كان شوقهم، وكيف كانت حالتهم، وأهل الإيمان يتمنى الواحد منهم أنه رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- لحظة ليحظى بأجر الصحبة،
فَيَبكي إِن نَأَوا شَوقًا إِليهِمُ ... وَيَبكي إِن دَنَوا خَوفَ الفِراقِ
وقال -عليه الصلاة والسلام-: (( مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ ) )مسلم (2832) .
فالمؤمن الصادق يتمنى حقيقة أن يكون قد عاش في عهده أو رآه، يتمنى رؤيته ولو لحظة،
نسينا في ودادك كلَّ غالٍ ... فأنتَ اليومَ أغلى ما لدينا ...
نلامُ على محبتكم ويكفي ... لنا شرفٌ نلام وما علينا ...
ولما نلقكم لكن شوقًا ... يذكرنا فكيف إذا التقينا ...
تسلّى الناس بالدنيا وإنا ... لعمر الله بعدك ما سلينا