حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 101
مما علمه في بدء خلقه ومقابلة للنعمة التي لا مزيد عليها، وهي خلقه من أحسن شيء وأمهنه شريفا مكرما بالعقوق والتكذيب. روي أن أبي خلف أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعظم بال يفتته بيده وقال: أترى اللّه يحيي هذا بعد ما رم؟ فقال عليه الصلاة والسّلام: «نعم ويبعثك ويدخلك النار» . فنزلت. وقيل: معنى فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ فإذا هو بعد ما كان ماء مهينا مميز منطبق قادر على الخصام معرب عما في نفسه.
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا أمرا عجيبا وهو نفي القدرة على إحياء الموتى وتشبيهه بخلقه بوصفه بالعجز عما عجزوا عنه. وَنَسِيَ خَلْقَهُ خلقنا إياه. قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«ومقابلة للنعمة» عطف على «إفراطا» وقوله: «بالعقوق» متعلق «بمقابلة» وقوله: «روي أن أبي بن خلف» إشارة إلى أن الآية نزلت في حقه وأنه المراد بالإنسان، وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية وإن نزلت ردا عليه في إنكاره البعث فهي عامة تصلح ردا لكل من ينكره. قوله: (بعد ما كان ماء مهينا مميز منطبق) أي ليس المعنى لوقاحته قلة حيائه لا ينظر إلى خسة عنصره ويمتد إلى مخاصمة العزيز القهار بل المعنى أنه ينكر البعث وإحياء الأجساد البالية والعظام النخرة، ولا ينظر إلى بدء حاله وأنه لم يكن في بدء خلقه كما هو الآن وإنما كان موانا جمادا وشيئا مهينا فأحيى وقوم بأحسن تقويم وجعل له أعضاء مختلفة فجمع المواد، وإعادة قواه ظاهرة وباطنة ليس بأعجب من بدء خلقه من أجزاء النطفة. وهو يجادل في إحياء العظام ولا يتفكر في بدء قوة الفهم والتمييز وقوة النطق التي يعرب بها الحي عما في ضميره، وجمع جسمه الذي أحيى بعد ما كان ماء مهينا أعجب وأغرب من مجرد جمع المواد وإعادة الإحياء. فقوله: خَصِيمٌ على هذا التوجيه بمعنى ناطق واختياره على الناطق لأن التكلم مع الغير على وجه المخاصمة أعلى مراتب النطق وأكملها. ولم يرض المصنف بهذا التوجيه لأن الأول أنسب بمقام التسلية. قوله:
(أمرا عجيبا) قد مر في أول هذه السورة أن المثل يستعار للأمر العجيب تشبيها له بالمثل العرفي وهو القول السائر في الغرابة، ولا شك أن نفي قدرة اللّه على البعث مع أنه من جملة الممكنات وأنه على كل شيء قدير من أعجب العجائب. قوله: (وتشبيهه بخلقه) مرفوع معطوف على نفي القدرة وبوصفه متعلق بتشبيهه أي القادر على كل شيء. وصاحب الكشاف جعل اشتماله قوله: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ على تشبيه القادر على كل شيء بمن يوصف بالعجز وجها ثانيا لتسميته مثلا بناء على أن المثل والمثيل كالشبه والشبه والشبيه وزنا ومعنى، فمعنى الآية حينئذ: وضرب لنا شبها بالمخلوقين وجعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب. قال الجوهري في الصحاح: الرمة بالكسر العظام البالية، والجمع رمم ورمام تقول منه: رم العظم يرم بالكسر رمة إذا بلى فهو رميم. وإنما قال تعالى: مَنْ