تقدم أن من شرط المعدل أن يكون ذا خبرة بمن يعد له وذكروا أن الخبرة تحصل بالجوار أو الصحبة أو المعاملة ولا شك أنه لا يكفي جوار يوم أو يومين وكذلك الصحبة وكذا المعاملة لا يكفي فيها أن يكون قد اشترى منه سلعة وسلعتين بل لابد من طول الجوار أو الصحبة أو المعاملة مدة يغلب على الظن حصول الخبرة فيها و المدار في ذلك على غلبة ظن المزكي الفطن العارف بطباع الناس وأغراضهم.
واشتراط الخبرة بهذا التفصيل في مزكي الشاهد لا إشكال فيه، وإنما الإشكال في تزكية الرواة، فإن ما في كتب الجرح والتعديل من الكلام في الرواة المتقدمين غالبًا من كلام من لم يدركهم بل ربما كان بينه وبينهم نحو ثلاثمائة سنة، هذا الدار قطني المولود سنة 306 يتكلم في التابعين فيوثق ويضعف، قد يتوهم من لا خبرة له أن كلام المحدث فيمن لم يدركه إنما يعتمد النقل عمن أدركه فالمتأخر ناقل فقط أو حاكم بما ثبت عنده بالنقل، وهذا الحصر باطل، بل إذا كان هناك نقل فإن المتأخر يذكره، فإن لم يذكره مرة ذكره أخرى أو ذكره غيره والغالب فيما يقتصرون فيه على الحكم بقولهم"ثقه"أو"ضعيف"أو غير ذلك إنما هو اجتهاد منهم، سواء أكان هناك نقل يوافق ذاك الحكم أم لا وكثيرًا ما يكون هناك نقل يخالف ذاك الحكم، واعتمادهم في اجتهادهم على طرق:
الطريقة الأولى: النظر فيمن روى عن الرجل فإن لم يرو عنه إلا بعض المتهمين كابن الكلبي والهيثم بن عدي طرحوه ولم يشتغلوا به، وإن كان قد روى عنه بعض أهل الصدق نظروا في حال هذا الصدوق فيكون له واحدة من أحوال:
الأولى: أن يكون يروي عن كل أحد حتى من عرف بالجرح المسقط.
الثانية: كالأولى إلا أنه لم يرو عمن عرف بالجرح المسقط.
الثالثة: كالأولى إلا أنه لم يعرف بالرواية عمن عرف بالجرح وإنما شيوخه بين عدول ومجاهيل، والمجاهيل في شيوخه كثير.
الرابعة: كالثالثة إلا أن المجاهيل من شيوخه قليل.
الخامسة: أن يكون قد قال"شيوخي كلهم عدول"أو"أنا لا أحدث إلا عن عدل".