الصفحة 9 من 35

عليه لكونه لسان النبي (17) ، ثم يقول في موطن آخر وهو يدلل على كلام أبي شامة المتقدم: (( ويدل على ما قرره أنه أنزل أولًا بلسان قريش ثم سهل على الأمة أن يقرؤوه بغير لسان قريش، وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام، فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة وهو عند أضاة بني غِفار فقال: إن الله(كما في حديث أبي بن كعب أن جبريل أتى النبي يأمرك أن تقريء أمتك القرآن على حرف، فقال: أسال الله معافاته مغفرته، فإن أمتي لا تطيق ... ) ) (18) .

وأضاة بني غِفار هي موضع بالمدينة النبوية ينسب إلى بني غِفار، فالتنوع في القراءات لم يعرف في العهد المكي، وإنما كان التنوع بعد الهجرة النبوية المباركة، لأنَّ الحاجة لم تكن قائمة لأن تتعدد القراءات في العهد المكي والقرآن أنزل بلسانهم وعلى ما جرت عليه عاداتهم في النطق الذي هو افصح ما انتهت إليه لغات العرب جميعًا، ومع أن تعدد وجوه القراءات جاء لييسر القراءة للناس، وحتى يستطيع كل عربي أن يقرأ القرآن بأحرفه وكلماته التي اعتاد عليها من لحن قومه، فإنها تضمنت أيضًا ضربًا من ضروب الإعجاز، وهو أن التحدي في معارضة هذا القرآن كان عامة لكل العرب، فلو اقتصر إنزال القرآن على لغة واحدة هي أفصح لغات العرب جميعًا وأعلاها، ما كان يستقيم التحدي للعربي من أهل غير قريش التي لغته أدنى من اللغة التي نزل بها القرآن أن يتحدى بها، فكان من تمام إعجازه أن ينزل القرآن على أكثر من حرف، ليعجز العرب كافة عن معارضته والإتيان بمثله، بل بآية من مثله، وفي هذا يقول الرافعي ـ رحمه الله ـ: (( وإذا تم هذا النظم للقرآن مع بقاء الإعجاز الذي تحدى به، ومع اليأس من معارضته على ما يكون في نظمه من تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات بحسب ما يلائم الأحوال في مناطق العرب، فقد تم له التمام كله، وصار إعجازه إعجازًا للفطرة اللغوية في نفسها حيث كانت وكيف ظهرت ومهما يكن من أمرها. ) ) (19)

يتلخص في حمل الناس على (ومن هذا يتحصل أن عمل عثمان بن عفان، وترك (القراءة بوجه واحد على ضوء ما نزل به القرآن أول نزول ووافقه عليه الصحابة، ولا (للصحابة حرية القراءة فيما يخالف خط المصحف، وذلك إذا تأكد ثبوته عن النبي يكون التعليم العام للمسلمين إلاَّ من المصحف الذي أجمع على ما فيه الصحابة رضوان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت