فحاصل القراءتين أن المنافقين سيعذبون العذاب الأليم بسبب كذبهم وتكذيبهم، ففي القراءتين تنوع في المعاني، إذ بينت إحدى القراءتين أنهم كاذبون في أخبارهم، وبينت القراءة الأخرى بأنهم يُكَذِّبون النبي وما جاء به من عند الله تعالى، ومع هذا لا يقتضي هذا الاختلاف التضاد في المعنى، لأن المراد بهما هم المنافقون، يقول مكي ابن أبي طالب القيسي: (( والقراءتان متداخلتان ترجع إلى معنى واحد، لأنَّ من كذب رسالة الرسل وحجة النبوة فهو كاذب على الله، ومن كذب الله وجحد تنزيله فهو مكذب بما أنزل الله. ) ) (50) ، ونحو هذا ذهب الداني في باب اختلاف اللفظ والمعنى جميعًا مع جواز اجتماع القراءتين في شيء واحد من اجل عدم تضاد اجتماعهما فيه، إذ يقول (وكذا(بما كانوا يكذبون) بتخفيف الذال وبتشديدها، لأنَّ المراد بهاتين القراءتين جميعًا هم المنافقون، وذلك أنهم كانوا يَكذِبون في أخبارهم، ويُكذِّبون النبي فيما جاء به من عند الله تعالى، فالأمران جميعًا مجتمعان لهم، فأخبر الله تعالى بذلك عنهم وأعلمنا أنه معذبهم بهما. )) (51) ،وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( في(يكذبون) قراءتان مشهورتان، فإنهم كذبوا في قولهم (آمنا بالله وباليوم الآخر) وكذبوا الرسول في الباطن وإن صدقوه في الظاهر. )) (52) بما كانوا يَكذِبون) وقرىء (( ، ويقول ابن كثير(ت 774 هـ) : (( وقولهم يُكَذِّبون) وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذبة ويكذبون بالغيب يجمعون بين هذا وهذا. )) (53)
وبهذا فإن كل قراءة زادت معنى جديدًا لم تبينه القراءة الأخرى مع عدم التناقض والتضاد بينهما.
يسْأَلُونَكَ عَنِ (2 - قوله تعالى: الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ (الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة: 219] .
فقرأ حمزة والكسائي (فيهما إثم كثير) بالثاء، وقرأ الباقون (إثم كبير) بالباء. (54)
فمعنى قراءة حمزة والكسائي (إثم كثير) من الكثرة، وذلك لأن شرب الخمر يحدث معه آثام كثيرة من لغط وتخليط وسب وأيمان وعداوة وخيانة (وتفريط في الفرائض وفي غير ذلك، فوصف بالكثرة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ