فكل آية أعطت معنى جديدًا لم تبينه الآية الأخرى، وعلى هذا كثير من الآيات والقصص القرآني، لا اختلاف ولا تناقض بين الآيات، إنما لكل آية مقصد وهدف وغاية يقتضيه السياق وجو السورة العام.
والاختلاف في القراءات القرآنية لا يختلف عن هذا المقصد، إذ كل قراءة توضح وتبين معنى جديدًا لم تبينه القراءة السابقة، وبذلك تتسع المعاني وتتعدد بتعدد القراءات، إذ كل قراءة بمقام آية، وفي ذلك يقول ابن عاشور (ت 1393هـ) : (( على أنه لا مانع من أن يكون مجيء ألفاظ القرآن على ما يحتمل تلك الوجوه مرادًا لله تعالى، ليقرأ القراء بوجوه فتكثر من ذلك المعاني، فيكون وجود الوجهين فأكثر في مختلف القراءات مجزءًا عن آيتين فاكثر، وهذا نظير التضمين في استعمال العرب، ونظير التورية والتوجيه في البديع ... ) ) (47) ، وبهذا يكون من مقاصد الاختلاف في القراءات القرآنية تكثير المعاني واتساعها، ولكن من غير تناقض أو تباين في المعاني، وسوف ندلل على هذا الأمر بما سنعرضه من بعض القراءات، لأن هذا المقام لا يتسع لذكر القراءات جميعها، فالأمر يتطلب دراسة أشمل وأكبر من هذا البحث، ولكن هذه القراءات التي سنختارها ونبين المعاني التي تضمنتها سوف ترسم ملامح واضحة للموضوع يكون الدارس معها على ركيزة ثابتة يمكن أن ينطلق من خلالها ويوجه جميع الاختلاف في القراءات القرآنية من غير تناقض أو تضاد.
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا وَلَهُم (1 - قوله تعالى: [البقرة:10] . (عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
فقرأ عاصم وحمزة والكسائي (يَكْذِبُونَ) بفتح الياء وتسكين الكاف وتخفيف الذال، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (يُكَذِّبونَ) بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الذال. (48)
فالقراءة بالتخفيف معناها أنهم استحقوا العذاب الأليم بسبب كَذِبَهم في إظهار الإسلام والإيمان وهم في باطنهم كافرون، فهم كاذبون في قولهم: (آمنا بالله وباليوم الآخر) .
والقراءة بالتشديد معناها أنهم استحقوا العذاب الأليم بسبب. (تكذيبهم النبي
يقول الزجاج (ت 311 هـ) : (( ويقرأ(يُكَذِّبونَ) ، فمن قرأ (يَكْذِبُونَ) بالتخفيف فإنَّ كَذِبَهُم قولهم أنهم مؤمنون، قال عز وجل: (. ) ) (49) (وما هم بمؤمنين) ، وأما يُكَذِّبونَ بالتثقيل فمعناه بتكذيبهم النبي