فالاختلاف في القراءات حق لا تضاد فيه ولا تدافع بين معاني الآيات، أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ (وهذا ما دل عليه قوله تعالى: [النساء:82] ، (مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا للمختلفين في القراءة بقوله: أصبتم، أو كلاكما محسن، (وما دل عليه إقرار النبي أو أي ذلك قرأتم أصبتم، وما دلت عليه نقولات علماء المسلمين من أن إحدى مقاصد القراءات الشاذة تفسير القراءات المشهورة وتبيين معانيها، يقول الزركشي:(( قال أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن إن القصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها وذلك كقراءة عائشة وحفصة(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) وكقراءة ابن مسعود (والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما) ومثل قراءة أبى (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فيهن) وكقراءة سعد بن أبى وقاص (وإن كان له أخ أو أخت من أم فلكل) وكما قرأ ابن عباس (لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج) قلت وكذا قراءته (وأيقن أنه الفراق وقال ذهب الظن) قال أبو الفتح: يريد أنه ذهب اللفظ الذي يصلح للشك وجاء اللفظ الذي هو مصرح باليقين انتهى، وكقراءة جابر (فإن الله من بعد إكراههن له غفور رحيم) ،فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن وقد كان يروى مثل هذا عن بعض التابعين في التفسير فيستحسن ذلك فكيف إذا روى عن كبار الصحابة ثم صار في نفس القراءة فهو الآن أكثر من التفسير وأقوى فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل على أنها من العلم الذي لا يعرف العامة فضله إنما يعرف ذلك العلماء ولذلك يعتبر بهما وجه القرآن. )) (42)
فإذا كانت القراءات الشاذة لا تقتضي تضادًا ولا تناقضًا، إنما هي مفسرة ومبينة للقراءات المشهورة، فكيف بالقراءات الصحيحة التي تلقتها الأمة بالرضى والقبول، فهل من المعقول أن تتضمن تناقضًا واختلافًا يقتضي التضاد يكون بها القرآن مضطربًا متباينًا؟!.
إنَّ هذا الكلام لا يصدر إلاَّ من رجلٍ ساءت نيته وفسدت عقيدته، لانَّ القرآن لا تناقض فيه ولا تباين ولا اضطراب، إنما هو آيات محكمات يصدق بعضها بعضًا، وإن تنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات من دون تناقض وتضاد، وفي هذا يقول الشيخ الزرقاني (ت 1367هـ) : (( إن تنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات وذلك ضرب من ضروب البلاغة يبتدىء من جمال هذا الإيجاز وينتهي إلى كمال الإعجاز، أضف إلى ذلك ما في