الصفحة 15 من 35

بعضًا خلافًا يتضاد فيه المعنى ويتناقض، بل يصدق بعضها بعضًا كما تصدق الآيات بعضها بعضًا. (37)

ونقل جملة من هذه الأقوال الإمام الزركشي (ت794 هـ) في البرهان والإمام السيوطي (ت911 هـ) في الإتقان (38) ،مما يدل على أن المراد بالاختلاف في القراءات القرآنية هو اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تناقض وتضاد، بل رجح الإمام ابن حجر العسقلاني هذا المعنى (فاقرؤوا ما تيسر منه) : (( أي من المنزل(وقواه على غيره، إذ قال في شرح قوله، وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه للتيسير على القارىء، وهذا يقوي قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة، لأنَّ لغة هشام بلسان قريش وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما، نبه على ذلك ابن عبد البر، ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة. ) ) (39)

معنى هذا أن نزول القرآن باختلاف قراءاته لا يلزم منه تناقض ولا تضاد ولا تدافع بين مدلولات معانيه يسبب اضطرابًا واختلافًا بين آيات القرآن، بل كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية، يجب قبولها والإيمان بها والعمل بمقتضاها، من ذلك فقد وجب قبوله، ولم يسع (وفي ذلك يقول ابن الجزري:(( كل ما صح عن النبي أحد من الأمة رده ولزم الإيمان به، وأن كله منزل من عند الله إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية، يجب الإيمان بها كلها واتباع ما تضمنته من المعنى علمًا وعملًا، لا يجوز ترك موجب إحداهما لا جل الأخرى ظنًا أن ذلك تعارض. ) ) (40)

فمفهوم مصطلح (الاختلاف) في القراءات لا يعني التعارض والتباين كما يفهم هذا المعنى من المصطلح عند علماء الفقه، فالقراءات على اختلافها وتنوعها لم يتطرق إليها تضاد ولا تناقض، ولا تعارض وتباين كما يحصل ذلك في اختلاف وتنوع الفقهاء، وإلى هذا نبه الإمام الجليل ابن الجزري ـ رحمه الله ـ وفرق بين اختلاف القراء واختلاف الفقهاء، إذ يقول: (( وبهذا افترق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء، فإن اختلاف القراء كله حق وصواب نزل من عند الله وهو كلامه لا شك فيه، واختلاف الفقهاء اختلاف اجتهادي، والحق في نفس الأمر واحد، فكل مذهب بالنسبة إلى الآخر صواب يحتمل الخطأ، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر، نقطع بذلك ونؤمن به. ) ) (41)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت