الصفحة 17 من 35

تنوع القراءات من البراهين الساطعة والأدلة القاطعة على أن القرآن كلام الله وعلى صدق من جاء به وهو رسول الله، فإن هذه الاختلافات في القراءة على كثرتها لا تؤدي إلى تناقض في المقروء وتضاد ولا إلى تهافت وتخاذل، بل القرآن كله على تنوع قراءاته يصدق بعضه بعضا ويبين بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد في علو الأسلوب والتعبير وهدف واحد من سمو الهداية والتعليم، وذلك من غير شك يفيد تعدد الإعجاز بتعدد القراءات والحروف، ومعنى هذا أن القرآن يعجز إذا قرىء بهذه القراءة ويعجز أيضا إذا قرىء بهذه القراءة الثانية ويعجز أيضا إذا قرىء بهذه القراءة الثالثة وهلم جرا، ومن هنا تتعدد المعجزات بتعدد تلك الوجوه والحروف ولا ريب أن ذلك أدل على صدق محمد لأنه أعظم في اشتمال القرآن على مناح جمة في الإعجاز لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن (وفي البيان على كل حرف ووجه وبكل لهجة ولسان [(بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ الأنفال:42] . ) ) (43)

إنَّ الاختلاف والتنوع في القراءات يقوم مقام تعدد الآيات، وهو ضرب من ضروب الإعجاز انفرد به هذا الكتاب الكريم، وسنبين في المبحث اللاحق جانب واحد من جوانب إعجازه في تعدد القراءات، وما فيها من البراهين الساطعة والأدلة القاطعة على أن هذا القرآن بقراءاته كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه (( سلسلة واحدة متصلة الحلقات محكمة السور والآيات متآخذة المبادىء والغايات مهما تعددت طرق قراءته ومهما تنوعت فنون أدائه. ) ) (44)

المبحث الثالث

القراءات والمعنى

من المعلوم أن الهدف الرئيس من تعدد القراءات واختلافها هو التيسير ورفع الحرج عن الأمة في قراءة كتاب ربها عز وجل، ولكن إلى جانب هذا الهدف احتوت ظاهرة التنوع في القراءات جوانب أخرى أعطت للنص القرآني تميزه وسموه على الكتب السماوية الأخرى وعلى النصوص البشرية النثرية والشعرية على حدٍ سواء، مما استحق أن يتصف هذا القرآن بالإعجاز.

وكان من بين هذه الجوانب جانب تعدد المعاني بتعدد القراءات، إذ كل قراءة زادت معنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت