أهل مكة آنذاك فجاء بالأصنام من البلقان ومن الشام واستخرج أصنام قوم نوح التي طمرها الطوفان؛ بسبب تلك الرؤيا المشؤومة التي أراها إياه الشيطان حيث أعلمه بمواقع تلك الأصنام، فنصبها على الكعبة وأمر العرب بتعظيمها فعُظمت، وبدأ ينتشر الشرك عن طريق الواردين على مكة الذين حملوا الأصنام إلى أقوامهم، وبعد ذلك أذن الله ببزوغ نجم الإسلام وظهوره على يد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وانتشر الإسلام في أنحاء المعمورة على أيدي أصحابه الكرام رضي الله عنهم، ولم يكونوا يعرفون إلا الآيات المحكمات والأحاديث البينات أخذًا بقوله سبحانه وتعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [1] فكان أي اختلاف ينتهي ... بالاتفاق، وكانت أصول الدين عندهم بالمحل الأعظم مما لم يدع مجالًا للاختلاف فيها بل كانوا عليها متفقين لوضوحها عندهم ولكمال فهمهم إياها، وهكذا مضى عصر الصحابة، ثم كان التابعون لهم بإحسان مقتفين [2] لآثار الأصحاب مقتدين بهم ومضى عصرهم على ما مضى عليه عصر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ومضى عصر تابعي التابعين على ما عليه القوم قبلهم أيضًا ولا يعني ذلك أنه لم ترد بعض الوساوس الشيطانية والنوازع النفسية للاختلاف، لكن كمال العلم بدين الله في هذه العصور كان يقطع حبل الاختلاف، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب لكن رضي بالتحريش بينكم) ثم نبتت في أوائل المائة الرابعة نبتة لم تعرف الإسلام على أصوله، إما لعدم كمال علمها وإما لفساد طويتها، أو لتأثرها بالدخيل من أفكار الأمم الأخرى
(1) -سورة النساء، الاية: 59 0
(2) -انظر الاعتقاد للبيهقي ص (234) ، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1 - 16) وما بعدها0