الباب الثالث: الاختلاط في ضوء مقاصد الشريعة.
تكلّم إمام المقاصد أبو إسحاق الشاطبي - رحمه الله - عن طرق الكشف عن مقاصد الشارع ومما قال في ذلك:
( ... فبماذا يعرف ما هو مقصود له مما ليس بمقصود له؟
والجواب أن النظر ههنا ينقسم بحسب التقسيم العقلي ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقال إن مقصد الشارع غائب عنا حتى يأتينا ما يعرفنا به وليس ذلك إلا بالتصريح الكلامي مجردا عن تتبع المعاني التي يقتضيها الاستقراء ولا تقتضيها الألفاظ بوضعها اللغوي ... وهو رأي الظاهرية الذين يحصرون مظان العلم بمقاصد الشارع في الظواهر والنصوص.
والثاني في الطرف الآخر من هذا إلا أنه ضربان:
الأول: دعوى أن مقصد الشارع ليس في هذه الظواهر ولا ما يفهم منها وإنما المقصود أمر آخر وراءه ويطرد هذا في جميع الشريعة حتى لا يبقى في ظاهرها متمسك يمكن أن يلتمس منه معرفة مقاصد الشارع وهذا رأي كل قاصد لإبطال الشريعة وهم الباطنية فإنهم لما قالوا بالإمام المعصوم لم يمكنهم ذلك إلا بالقدح في النصوص والظواهر الشرعية لكي يفتقر إليه على زعمهم ومآل هذا الرأي إلى الكفر والعياذ بالله والأولى أن لا يلتفت إلى قول هؤلاء فلننزل عنه إلى قسم آخر يقرب من موازنة الأول وهو:
الضرب الثاني: بأن يقال إن مقصود الشارع الالتفات إلى معاني الألفاظ بحيث لا تعتبر الظواهر والنصوص إلا بها على الاطلاق فإن خالف النص المعنى النظري اطُّرِحَ وقدم المعنى النظري ... وهو رأي المتعمقين في القياس المقدمين له على النصوص وهذا في طرف آخر من القسم الأول.
والثالث: أن يقال باعتبار الأمرين جميعا على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص ولا بالعكس لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض. وهو الذي أمَّهُ أكثر