الصفحة 16 من 47

قال النووي - رحمه الله - في شرحه للحديث: (وَإِنَّمَا فَضَّلَ آخِر صُفُوف النِّسَاء الْحَاضِرَات مَعَ الرِّجَال لِبُعْدِهِنَّ مِنْ مُخَالَطَة الرِّجَال وَرُؤْيَتهمْ وَتَعَلُّق الْقَلْب بِهِمْ عِنْد رُؤْيَة حَرَكَاتهمْ وَسَمَاع كَلَامهمْ وَنَحْو ذَلِكَ، وَذَمَّ أَوَّلَ صُفُوفهنَّ لِعَكْسِ ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم.) [1]

وقال الشوكاني - رحمه الله: (قَوْله:(وَخَيْرُ صُفُوف النِّسَاء آخِرُهَا) إنَّمَا كَانَ خَيْرهَا لِمَا فِي الْوُقُوف فِيهِ مِنْ الْبُعْد عَنْ مُخَالَطَة الرِّجَال) [2]

وقال السندي - رحمه الله - في حاشيته على سنن النسائي: (أَيْ أَقَلّهَا أَجْرًا وَفِي النِّسَاء بِالْعَكْسِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مُقَارَبَة أَنْفَاس الرِّجَال لِلنِّسَاءِ يُخَاف مِنْهَا أَنْ تُشَوِّش الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُل وَالرَّجُلُ عَلَى الْمَرْأَة ثُمَّ هَذَا التَّفْضِيل فِي صُفُوف الرِّجَال عَلَى إِطْلَاقه وَفِي صُفُوف النِّسَاء عِنْد الِاخْتِلَاط بِالرِّجَالِ كَذَا قِيلَ وَيُمْكِن حَمْله عَلَى إِطْلَاقه لِمُرَاعَاةِ السَّتْر فَتَأَمَّلْ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.) [3]

لقائل أن يقول: هذا في صفوف الصلاة، ولكن الاختلاط واقع قبل ذلك وبعده عند الدخول إلى المسجد وعند الخروج منه، فهل خصص النبي - صلى الله عليه وسلم - بابًا خاصًّا للنساء حتى لا يختلطن بالرجال؟

يتبين الجواب بالحديث التالي:

الحديث الرابع:

عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ» . قَالَ نَافِعٌ: فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ [4] .

وفي رواية: أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بنى المسجد جعل بابا للنساء، وقال: «لا يلجن من هذا الباب من الرجال أحد» [5] .

وجه الاستدلال: قوله - صلى الله عليه وسلم: (لو تركنا .. ) فيه حثٌّ على تخصيص ذلك الباب [6] للنساء دون الرجال؛ فإنّ من معاني (لو) العرض والتحضيض، قال في شرح الكوكب المنير: (وتأتي لو أيضا لعرض نحو:"لو تنزل عندنا فتصيب خيرا"، وتأتي [لو] أيضا لتحضيض نحو"لو فعلت كذا"، أي: افعل كذا. والفرق بينهما: أن العرض: طلب بلين ورفق، والتحضيض: طلب بِحَثٍّ) [7] ، وعلى كلا المعنين تدلُّ على الطلب، والقاعدة في الأصول: (أنّ الطلب الجازم يدلُّ على الوجوب، والطلبُ غير الجازم يدلُ على

(1) شرح صحيح مسلم 4/ 159.

(2) نيل الأوطار 3/ 226.

(4) أخرجه أبو داوود في سننه 1/ 179، كتاب الصلاة، باب في اعتزال النساء في المساجد عن الرجال، حديث رقم: 462، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داوود.

(5) قال الألباني في السلسة الضعيفة: (منكر. أخرجه الطيالسي في مسنده 1829، ومن طريقه أبو نعيم في حلية الأولياء(1/ 313) : حدثنا عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بنى المسجد جعل له بابًا للنساء، وقال:. . . فذكره. قال نافع: فما رأيت ابن عمر دَاخِلًا من ذلك الباب ولا خَارِجًا منه. قلت [الألباني] : وهذا إسناد واه؛ عبدالله بن نافع: هو العدوي مولاهم المدني، قال الذهبي في"الكاشف"و"الضعفاء":"ضعفوه". وقال الحافظ في"التقريب": قلت: وتركه النسائي والدارقطني. وقال اَلْبُخَارِيّ في"التاريخ" (3/ 1 / 214) وأبو أحمد الحاكم:"منكر الحديث". قلت: وهذا الحديث من مناكيره عندي؛ فقد خالفه أيوب في لفظه)

(6) وهو في محل الباب المعروف اليوم في المسجد النبوي بباب النساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت