الأولى: الجمع بين الدليلين بحمل العام على الخاص وتفسيره به، فحديث أبي أيوب الأنصار عام في البنيان والعمران أو المفاوز والصحاري الخالية، وحديث ابن عمر خاص في حالة البنيان فيحمل العام على الخاص فيتخصص عموم النهي في غير حالة البنيان، ويتأكد هذا الاحتمال بما روي عن ابن عمر نفسه أنه قال:"إنما نهى عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس به" (23) . وإلى مثل هذا المذهب ذهب الشافعية والحنابلة في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (24) .
الثانية: الترجيح بين الدليلين بتقديم حديث النهي على الجواز فيصار إلى تعميم الحرمة في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة مطلقًا؛ وذلك لأن الحديثين متعارضان ولا يعلم المتأخر من المتقدم فيرجح الحاظر على المبيح عملًا بالأحواط، وإلى هذا ذهب الحنفية (25) .
الثالثة: النسخ، وذلك بناءً على ثبوت التعارض بين الحديثين، وقد ظهر أن مشروعية استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة جاءت متأخرة عن التحريم، فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم، ويستدلون على هذا بما روي عن جابر بن عبدالله أنه قال:"نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها" (26) ، وإلى هذا ذهب داود الظاهري (27) .
الثاني: تعليل النص
إن التعليل منهج شرعي مطرد في خطاب الشارع يظهر به وحدة المنطق التشريعي في تفاريع الأحكام، غير أن هذا المنهج يثير احتمالات معنوية تضاف إلى الدلالة اللفظية التي تستفاد بالنص.
مثاله: ما روي عن أبي أوفى رضي الله عنه قال:"أصابتنا مجاعة يوم خيبر، فإن القدور لتغلي - قال: وبعضنا نضجت - فجاء منادي النبي صلى الله عليه وسلم: لا تأكلوا من لحوم الحُمُر شيئًا وأهريقوها. قال ابن أبي أوفى: فتحدثنا أنه نهى لأنها لم تخمس، وقال بعضهم: نهى عنها البتة؛ لأنها كانت تأكل العذرة" (28) .