الصفحة 8 من 52

إن من جملة أسباب إثارة الاحتمالات في دلالة اللفظة أو النص على المعاني ما يرجع إلى طبيعة الخطاب الشرعي ذاته أو محتفاته - مع تحييد عامل الوضع اللغوي - إذ قبول ورود الاحتمال في دلالة الألفاظ في الخطاب الشرعي غير مستغرب ولا مستبعد؛ لذا يعتبر الأصوليون أن دلالة الألفاظ على المعاني الشرعية يكتفى فيها بغلبة الظن من غير اشتراط قطع كل احتمال ممكن الورود على الدلالة اللفظية ليصح الاعتداد بها (20) .

ويمكنني في هذا المقام الإشارة إلى عاملين يظهر بهما إثارة الاحتمالات المعنوية في الدلائل الشرعية:

الأول: التعارض الظاهري بين دلائل الشرع

إن التعارض الظاهري بين النصوص في نظر المجتهدين يورث احتمالات ثلاثة: إما الجمع بين الدليلين المتعارضين بالتخصيص والتقييد ونحوه، وإما الترجيح لأحد الدليلين على الآخر، وإما النسخ بأحد الدليلين للآخر.

مثاله: ما روي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرَّقوا أو غرّبوا" (21) .

وما روي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته - مستدبر القبلة مستقبل الشام" (22) ."

الذي يظهر في مبتدأ النظر أن الحديثين متعارضان، فحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه دال على حرمة استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، وحديث ابن عمر رضي الله عنه دال على جواز ذلك.

ولقد توجه الفقهاء في دفع هذا التعارض الظاهري إلى وجهات ثلاثة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت