وعن أبي عباس رضي الله عنهما قال:"لا أدري أنهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم أو حرّم في يوم خيبر لحم الحُمُر الأهلية" (29) .
الأصل أن النهي المتوجه إلى العين يجري تعليله بمعنى راجع إلى ذات المنهي عنه لا إلى عارضٍ إضافي، لكن قد يقترن بالنهي ظروف تثير احتمال تعليله بعوارض إضافية بحيث ينصرف النهي عن ذات العين المنهي عنها، فالصحابي ابن أبي أوفى نقل احتمالات تعليلية عائدة إلى عوارض إضافية اقترنت بواقعة النهي فثارت الاحتمالات بين تعليل النهي بمعنى عائد إلى ذات المنهي عنه أو إلى بعض الأحوال التي قارنت خطاب الشارع بالنهي، كأن تكون هذه اللحوم ورد عليها النهي لأن حقها التخميس وهي لم تخمس بعدُ فالانتفاع بها محرم، أو لعلها كانت جلاّلة تعتاش على الأرواث، أو لعلها - كما قال ابن عباس - كانت حمولة الناس وطلبها للطُُعم يفضي إلى فنائها ووقوع الناس بالحرج لانقطاع وسيلة هامة للنقل في ذلك الأوان.
النوع الثالث: الاحتمالات العقلية
العقل آلة الإدراك الإنساني يفرق بين حقائق المعلومات من خلال موازين فطرية، وقوانين يحصل بها الاستدلال على المدلولات عن دلائلها في بدائه المعارف الإنسانية (30) . وما دام أن بحثنا دائر حول الاحتمالات المعنوية المستفادة باللفظ فالملاحظ أنه لا مدخل للعقل في ضبط علاقة اللفظ بالمعاني المدلولة به، لأنها في الأصل علائق وضعية - لغوية أو شرعية -، وعليه فقد قرر الأصوليون [1] أن"العقول لا يُتوصل بها إلى مجاري اللغات وتخصيص الأسامي بالمسميات" (31) .
(1) الأصوليون مطبقون على أن العقل لا مدخل له في الدلالة اللفظية إلا ما حكاه الإسنوي عن القيرواني في المستوعب مُغربًا عن طريقة الأصوليين حيث سار في إثبات دلالة الأمر على الوجوب بالأدلة العقلية. راجع الإسنوي: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول 267.