الصفحة 17 من 52

انعقد إجماع الأمة من لدن الصحابة رضوان الله عليهم على وجوب العمل بما ظهر وتبادر في دلالة الدليل وإن لم تنقطع في سبيل دلالته الاحتمالات المعنوية غير المتبادرة؛ إذا كانت قضية الاستدلال تتعلق بأمر تفصيلي جزئي في مسألة فقهية فروعية (46) .

كما اتفقوا على أن الدليل لا يقبل فيه دعوى النسخ والتخصيص مع ورود الاحتمال، إذ لا نسخ ولا تخصيص مع الاحتمال؛ لأن النسخ إبطال لدلالة الدليل المنسوخ بالدليل الناسخ، والمنسوخ مقرر لحكم ثابت قطعًا فلا يرتفع بالاحتمال (47) ، كما أن العام دال على شمول واستغراق جميع ما يصدق عليه معناه من أفراد وضعًا، فلا يقبل دعوى خروج بعض الأفراد عن دلالة العام بالاحتمال (48) .

واختلف العلماء في أثر ورود الاحتمال على الاستدلال بالدليل في موضوع التأصيل الفقهي، فهل الأصل الفقهي [1] لا يثبت أصلًا للاستدلال والأعمال إلا بدلائل قطعية ينقطع في سبيل دلالتها مثارات الاحتمال؟ أو أن الأصل الفقهي يصح الاستدلال عليه بدلائل شرعية تنهض بمعناه وإن لم ينقطع في سبيل دلالتها الاحتمال.

لا يخفى أن الخلاف في هذه القضية المنهجية الهامة في علم الأصول لم تناقش المصنفات الأصولية بصورة مباشرة، بل وردت في ثنايا المناقشات عرضًا؛ لذا لا أخفي شدة الجهد الواجب بذله في رصد هذا الموضوع المهم، وقد ظهر لي بعد طول الاعتبار وتكرار البحث والنظر - وهو جهد مقل - أن الاتجاهات الأصولية في هذه المسألة تنقسم إلى ثلاثة اتجاهات - طرفان ووسط - .

(1) أعني بالأصل الفقهي: القاعدة الأصولية الكلية التي يتخرج عليها فروع فقهية تفوق الحصر، كدلالة العام والأمر ونحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت