الصفحة 15 من 52

الثاني: أن ينص الشارع على قواعد كلية وأصول عامة يتخرج عليها ما لا يحصى من النوازل والمستجدات التي ستقع بين يدي الساعة، غير أن الوقوف على أحكام النوازل يحصل بتخريج الفرع على الأصل، وهذا في غالب الأحوال يتحصل بغلبة الظن فلا يعمل به لدنوِّه عن رتبة القطعية المشترطة في الاستدلال، والتالي عن هذا تخلية الوقائع عن حكم الشرع، ولا معنى لهذا إلا قصور الشريعة ونقصها عن إمداد الزمان والمكان بحكمها وهو باطل.

فإذا كان اللازم الثاني باطلًا تعين الأول، واللازم الأول يقتضي إلحاق الحرج بالعباد، فكان عدم اشتراط القطعية بورود الاحتمال على الدليل والاستدلال من أعظم صور التوسعة والترخيص.

المبحث الثاني

مذاهب الأصوليين في أثر ورود الاحتمال على مسالك الاستدلال

سوف أتناول في هذا المبحث - بحول الله تعالى - أثر ورود الاحتمال على دلالة الدلائل الشرعية في إفادة المعاني المقصودة بها، موضحًا أقوال الأصوليين ومذاهبهم في هذه المسألة.

ولتحقيق هذا الغرض يتعين ابتداءً ببيان أحوال الأدلة بحسب ورود الاحتمال على دلالتها؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

ويمكن تقسيم الأدلة بحسب ورود الاحتمال على دلالتها إلى ثلاثة أقسام (41) ، هي: المحكم (النص) ، الظاهر، المجمل.

الدليل قد تكون دلالته على معناه في غاية الوضوح والتجلّي، حتى لينقطع معه كل احتمال شرعي أو وضعي يرد على دلالته، فيكون قطعي الدلالة على معناه، وهذا الذي يطلق عليه المتكلمون من الأصوليين اسم النص (42) ، ويطلق عليه الفقهاء من الأصوليين اسم المحكم (43) . غير أن الدليل قد يكون واضح الدلالة على معنى ما، غير أن دلالته على هذا المعنى لا ينقطع معها ورود الاحتمالات المستفادة به، وإن كانت دلالته على هذه الاحتمالات ضعيفة أو قل غير ظاهرة ظهور المعنى الأول، وهذا الذي يطلق عليه المتكلمون اسم الظاهر (44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت