أ. إن الأمة التي تلقت الخطاب الشرعي أمة أميّة تعتني بالمعاني وتعبر عنها بكل لفظ يحصل معه تفهيم السامع وتقريب المعنى إليه (37) ، لذا لم يكن من عادتها المبالغة في التنقيب عن الألفاظ التي ينقطع معها مثارات ورود الاحتمالات في الدلالة على المعاني، وعليه فجريان خطاب الشرع على خلاف معهودها في مخاطباتها ينأى بها عن تفهم معاني الخطاب ومقاصده أو يلحق بها الحرج بمطالبتها على خلاف معهودها في الخطاب وقد فرضت أمة أمية، وهذا عود على مقصد الشارع من التفهيم والتيسير بالمعارضة والمناقضة.
يؤكد هذا المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يوسع على أمته في ألفاظ القرآن فيسهل عليهم، فاستجاب الله تعالى لذلك حتى أنزل على سبعة أحرف هي أشهر لغات العرب على الراجح، وهذا من أسباب إثارة الاحتمالات في دلالة الآيات القرآنية (38) .
فقد روي عن أُبيّ بن كعب قوله: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال:"يا جبريل إن بعثت في أمة أميين فيهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط، قال: يا محمد إن الله أنزل القرآن على سبعة أحرف" (39) .
ب. لو كانت الأحكام الشرعية لا تستفاد إلا بقواطع الأدلة ومستيقن الاستدلالات للزم تعيّن الحق في مذهب واحدٍ يأثم ويفسق مخطؤه (40) . وفي هذا من إلحاق الحرج بالمجتهدين ما لا يخفى بما يفضي إلى التخوف من الإقدام على الاجتهاد، وبالتالي تضييق الاجتهاد وإضعافه، وهذا على خلاف مقصد الشارع من توسيع الاجتهاد لموافقة حكمه وحث المجتهدين عليه.
ج. لو كانت الأحكام الشرعية لا تستفاد بغير قواطع الأدلة ومستيقن الاستدلالات للزم عن ذلك أحد لازمين:
الأول: أن ينص الشارع على حكم كل واقعة تنزل بين يدي الساعة إلى قيامها على جهة القطعية في الدلالة وتفصيل الأحوال، والتالي عن هذا تكاثر أعداد النصوص على نحوٍ يثقل على المجتهدين الإحاطة بها وحصرها، وفي هذا من الحرج ما لا يخفى.