إن الحديث وإن خرج مخرج العموم فيحتمل أنه خرج جوابًا لسؤال أو في واقعة حال أو في مقام حلّ إعضال، والتسليم بإجراء العموم على وجهه في هذه الأحوال كلها غير مسلّم. كما أن القول باشتراط الولي في تزوي النساء عملًا بهذا الحديث غير لازم؛ لاحتمال أن النبي صلى الله عليه وسلم عنى بقوله"امرأة"الصغيرة التي لا تلي أمر نفسها لا كل امرأة، أو لعله عنى به المرأة المملوكة، فيكون الحديث نصًا في اشتراط الولي لتزويج الإماء لا الحرائر، أو لعله عنى به المكاتبة قطعًا للوهم الذي قد يشكل ويعضل بظن أن مكاتبة الأمة على مبلغٍ من المال لتعتق به يطلق عنان تصرفها في نفسها بالتزويج، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يظهر خطأ هذا الظن وإطراحه. فهذه احتمالات غير ظاهرة بمقتضى الوضع اللغوي والشرعي، غير أن العقل يجوِّز ورودها على الدلالة اللفظية لنص عبارة النبي صلى الله عليه وسلم.
وبعد هذا الاستعراض لأنواع الاحتمالات ينقدح في الذهن التساؤل عن علاقة القرائن بالاحتمالات الواردة في مساقات الاستدلال بالدلائل الشرعية.
ويجاب بأن القرائن دلائل تصاحب النص وتقترن به بما يفضي إلى تأثيرها على دلالته أو ثبوته أو إحكامه (34) وعليه فإن النص قد يستثير في سبيل دلالته احتمالات معنوية لغوية أو شرعية أو عقلية، غير أن اقتران الدلائل بالنص يكشف عن مقصود الشارع بما يقلل أو يحسم سبيل الاحتمالات المستثارة بحيث يغدو النص في غاية الوضوح والتجلي في دلالته على معناه. وعليه فيمكن القول بأن القرائن المحتفة بالنص تقلل من الاحتمالات المستثارة في سبيل دلالته، وكلما كانت القرائن أوضح في دلالتها على تعيين المقصود بالنص كانت أحسم لمادة الاحتمالات المستثارة في سبيل دلالته.
المطلب الثالث: المقصد الشرعي من ورود الاحتمالات على الدلائل الشرعية