ومن الآثار التي احتج بها بدر الدين العيني على جواز مجيء ( لَنْ ) حرفًا جازمًا ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، وهو يقص رؤيا رآها في منامه فقال: (( اضطجعتُ ليلةً قلتُ: اللهم إنْ كنتَ تعلم فيَّ خيرًا فَأَرِني رؤيا ، فبينمَا أنا كذلك إِذْ جَاءَني مَلَكانِ في يد كل واحدٍ منهما مَقْمَعَةٌ من حديدٍ يُقْبِلانِ بي إلى جهنم وأنا بينهما أدعُو اللهَ: اللهم أعوذُ بك من جهنمَ ، ثم أراني لقيني مَلَكٌ في يده مَقْمَعَةٌ من حديدٍ فقالَ: لن تُرَاعَ ، نِعْمَ الرجلُ أنت لو تكثرُ الصلاة ... ) ) [1] ، قال العيني معلقا على هذا الأثر: قوله ( لن تراعَ ) هكذا في رواية الكُشْمِيْهَنِيّ ، ووقع عند كثير من الرواة ( لن تُرَعْ ) بحرف (( لن ) )مع الجزم ، والجزم بـ ( لَنْ ) لغة قليلة حكاها الكسائي )) [2] .
وما ذهب إليه الإمام العيني من مجيء ( لن ) حرفا جازما على لغة قليلة هو الصحيح من وجهة نظري ، قال الرماني: (( واعلم أن من العرب من يجزم بـ( لَنْ ) تشبيها بها بـ ( لم ) لأنها للنفي مثلها ، وأن النون أخت الميم في اللغة )) [3] ، وقال ابن مالك: (( وينصب المضارع أيضا بـ( لن ) هذا هو المشهور في لسان العرب ، وحكي الجزم بها لغة )) [4] .
ومن الشواهد الواردة في الجزم بها قول كثير:
أَيَادي سَبَا يَا عَزُّ ما كنتُ بعدَكُمْ فَلَنْ يَحْلَ للعَيْنَيْنِ بعدكِ مَنْظرُ [5]
أي: ( يحلى ) فحذف حرف العلة لأن ( لن ) جاءت جازمة .
(1) صحيح البخاري ، كتاب التعبير ، باب ( الأمن وذهاب الروع في المنام ) .
(2) عمدة القاري: 20/41 .
(3) رصف المباني ، المالقي ، تحقيق د. أحمد الخراط ، دار القلم ، دمشق ,.357 .
(4) المساعد على تسهيل الفوائد: 3/66 .
(5) رصف المباني: 357 ، والمغني: 375 .