قلت: لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون تصرف الرواة فيما رواه النسائي ، وأن ما رواه البخاري بالمغايرة بين الشرط والجزاء هو اللفظ النبوي ، بل الأمر كذا لأن رواية محمد بن علي بن ميمون عن أبي اليمان لا تعادل رواية البخاري عن أبي اليمان ، ويؤيد هذا رواية مسلم أيضًا )) . وما ذهب إليه الإمام العيني في هذه المسألة هو الصحيح وذلك لأمرين:
الأول: أن رواية البخاري مُقَدَّمَةٌ على رواية النسائي ، لأن البخاري نقل لفظ الحديث مباشرة عن شيخه أبي اليمان ، أما النسائي فقد رواه عن محمد بن علي بن ميمون عن شيخ البخاري ، فربما كانت رواية النسائي هي التي وقع فيها التصرف .
الثاني: أجاز بعض النحاة مجيء جواب فعل الشرط المضارع في صيغة الماضي ، محتجين عليه بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكلام العرب ، قال ابن مالك - رحمه الله - بعد أن أورد حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقول عائشة: (( تضمن هذان الحديثان وقوع الشرط مضارعا ، والجواب ماضيًا لفظًا لا معنى ، والنحويون يستضعفون ذلك ، ويراه بعضهم مخصوصا بالضرورة ، والصحيح الحكم بجوازه مطلقا لثبوته في كلام أفصح الفصحاء ، وكثرة صدوره عن فحول الشعراء ) ) [1] ، وقال ابن عقيل: (( ولا يختص نحو: (( إِنْ تفعلْ فَعَلْتُ ) )بالشعر وفاقا للفراء ، فإنه أجازه في الاختيار، وكلام سيبوبه يقتضي عدم اختصاصه بالشعر )) [2] . ومما ورد في كلام العرب ، قول الشاعر:
إِن تَصْرِمُونَا وَصَلْنَاكُم وإِنْ تَصِلُوا مَلأَتُمُ أَنْفسَ الأعداءِ إِرهَابا [3]
فقد وقع الفعل الماضي ( وصلناكم ) جوابا للشرط ( تصرمونا ) .
ومنه قول أبي زبيد الطائي:
مَنْ يَكِدْنِي بِسَيِّءٍ كنتُ منهُ كالشَّجَا بينَ حَلْقِهِ والوَرِيدِ [4]
(1) شواهد التوضيح: 14-15 .
(2) المساعد على تسهيل الفوائد: 3/184 .
(3) المساعد: 3/184 .
(4) شرح الكافية الشافية: 3/1585 .