«ولكنه جاء في القرن الخامس الذي تمكنت فيه المذاهب القياسية في جميع الأقطار بتقليد الجماهير، وتأييد الحكومات لها. وما حبس على أهلها من الأوقاف. حتى صار المنتسبون إلى كل مذهب منها يقدمون قول كل مؤلف منتسب إليها على نصوص الشارع التي اتفق نقلة الدين على صحتها! فما استفاد من كتب ابن حزم إلا الأقلون.
«وعندي أن الصارف الأكبر للناس عن كتبه هو شدة عبارته في تجهيل فقهاء القياس حتى الأئمة المتبوعين منهم.
«وقد كان أكابر العلماء في كل عصر يستفيدون من كتبه وينسخونها بأقلامهم وينافسون فيها، ولكن قلما كانوا ينقلون عنها إلا ما يجدونه من هفوة يردون عليها!.
ولذلك يعد من مناقب الشيخ عز الدين بن عبد السلام (ت 660هـ ــــ 1262م) الذي اعترفوا له بالاجتهاد المطلق ولقب بسلطان العلماء، قوله لمن سأله عن خبر كتب الفقه في الإسلام؟: (المحلي) لابن حزم، و (المغني) للشيخ الموفق.
«وفي (دار الكتب الكبرى) بمصر، نسخة من (كتاب الأحكام. في أصول الأحكام) لابن حزم، من خط علامة الشافعية في عصره ابن أبي شامة. (ــــ عبد الرحمان بن إسماعيل الدمشقي المتوفى سنة 665هـ ــــ 1267م) ــــ.
«فهذا الأثر ــــ وذلك القول، يدلان على عناية كبار العلماء بكتب ابن حزم، وحرصهم على الاستفادة منها.
«لم يجىء بعد الإمام ابن حزم من يساميه أو يساويه في سعة علمه. وقوة حجته، وطول باعه وحفظه للسنة، وقدرته على الاستنباط، إلا شيخ الإسلام، مجدد القرن السابع، أحمد تقي الدين ابن تيمية، (ت 728هـ ــــ 1328م) .
«وهو قد استفاد من كتبه، واستدرك عليها، وحرر ما كان من ضعف فيها، وكان على شدته في الحق مثله، أنزه منه قلمًا! وأكثر أدبًا مع أئمة الفقهاء من أهل الرأي والقياس، على أنه لم ينف القياس البتة، ولكنه فرق بين القياس الصحيح الموافق للنصوص والقياس الباطل المخالف لها، بما لم يسبقه إليه أحد من علماء الأمة فيما نعلم...) (ج 7 ص 144 ــــ 145) .