الصفحة 8 من 51

الدعوة للدين عن ميادين الإصلاح، وحصر وظائفه في المساجد التي قل روادها، فأصبحت أدوات التوجيه الاجتماعي، وأجهزة التعليم في أيدي أصحاب الثقافة الأوربية، الذين نشأوا في أحضان الاستعمار وتشبعوا بأفكاره، فعملوا على نشر ثقافة التغريب واللادينية ( [32] ) .

ومن ناحية أخرى طغت النزعة الفكرية الجامدة على أصحاب الديانة في ذلك العصر، فأغلق باب الاجتهاد، وأنكر على العقل دوره في فهم شريعة الله تعالى، واعتمد على الخرافات، مما دعا الشيخ محمد عبده لمحاولة الإصلاح عن طريق التوفيق بين الدين والعلم، وتوضيح أن الدين الإسلامي الحق لا يحارب العلم، ولا يتنافى مع العقل، وأن إلقاء تبعة التخلف على الدين لاأساس لها من الصحة لأن الإسلام دين العقل، والحرية، والفكر، وهذا الاتجاه عرف بـ «بالنزعة التوفيقية» ،ولكن هذه النزعة جعلته يبالغ في الدفاع عن الإسلام -من وجهة نظره- فإذا به ينفي عنه أشياء هي من صميمه، ويبالغ في محاربة التقليد حتى جاء بآراء كثيرة تخالف آراء السلف وتجاوز الحق، وبدلا من أن يوفق بين الدين والعلم، أخذ في التوفيق بين الدين والحضارة الغربية بكل ما فيها من علم، وثقافة، وفلسفات، وظهر ذلك في مقولته: «إن الحضارة الحديثة تتوافق مع الإسلام» ، والتي على أساسها أول كثير من معطيات العقيدة الإسلامية بما يتمشى مع المنجزات العلمية الغربية، كما أنه فتح المجال لمناقشة قضايا المرأة التي تعتبر الباب الأول لقبول بعض العادات الغربية.

وفي هذا يقول الشهيد سيد قطب: «لقد واجه الاستاذ الإمام محمد عبده بيئة فكرية جامدة أغلقت باب الاجتهاد، وأنكرت على العقل دوره في فهم شريعة الله تعالى، واعتمدت على الخرافات، وذلك مع هجوم المستشرقين على التصور الإسلامي، فلما أراد أن يواجه هذة البيئة بإثبات قيمة العقل، وإحياء الاجتهاد، ومحاربة الخرافة والجهل، جعل العقل ندا للوحي، ولم يقف به عند أن يدرك ما يدركه ويسلم بما هوفوق ادراكه» . ( [33] )

ثالثًا: الاتجاهات العلمانية في فكر المدرسة العقلية الحديثة

قد يستغرب الربط بين المدرسة العقلية الحديثة والعلمانية، إذ الأولى تهدف لإصلاح الدين، والثانية تهدف إلى إبعاد الدين عن الحياة، فالعلمانية مصطلح غربي الأصل والنشأة ( [34] ) والمولد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت