وهذة الأفكار يلمس فيها التشابه الشديد مع أفكار المعتزلة، التي كان تقديم العقل على النقل من أبرز سمات منهجهم مما دعى المستشرقين لتسميتهم بالعقليين ( [18] ) ، فالعقل عندهم قادر على أن يعرف كل شيء، المنظور وغير المنظور، وهومحكم في إيمانهم وجميع شؤونهم العامة والخاصة ( [19] ) ، واقتضى ذلك التحكيم المطلق للعقل عند المعتزلة تضييق حيز الإيمان بالغيب، وإنكار كثير من الحقائق الغيبية التي أثبتتها ظواهر آيات القرآن الكريم وأثبتتها السنة الصحيحة بحجة مصادمتها للعقل عندهم، وادعاؤهم استحالة وجود ما لا تدركه الحواس، فلجأووا إلى التذرع بالمجاز والتشبيه للهروب من إثبات الظواهر المستبعدة مثل: وجود الجن، وحقيقة السحر ( [20] ) ، وعذاب القبر، والميزان، وأخذ الميثاق في ظهر آدم ( [21] ) وتسبيح الرعد ( [22] ) والجمادات وعرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال ( [23] ) ، والمعجزات وكرامات الأولياء، كما أنهم تبنوا هدم نظرية التقليد، أي تطهير العقل والفكر، وتجرده عن الإلف والعادة قبل أن يصدر الأحكام.
ولم يقتصر التشابه بين المدرستين في الفكر والمنهج فحسب، بل كان أيضًا في الوسائل أيضًا، حيث استخدم الاثنين اللغة كوسيلة أولى للتأويل المذموم للآيات- بمعنى صرف الآيات عن ظاهرها بدون دليل-لكل ما هومصادم للعقل عندهم، وقد سمى الدكتور محمد حسين الذهبي ذلك بالمبدأ اللغوي عند المعتزلة فقال: «فكان الغالب عليهم استخدام اللغة حيث ينفون ويبطلون المعنى الظاهر المخالف لمذهبهم، ثم يثبتون لهذا اللفظ معنى موجود في اللغة يتفق مع مذهبهم، ثم يستشهدون على ما يذهبون إليه من المعاني التي يحملون ألفاظ القرآن عليها بأدلة من اللغة والشعر العربي القديم، فإذا لم تسعفهم هذة الطريقة في التخلص من المعاني التي تعارض مذهبهم لجأوا إلى ادعاء الفروض المجازية من التشبيه والكناية وغيرها ( [24] )
وهذا التشابه هوالذي دعى لتسمية فكرهم بـ «المدرسة العقلية الحديثة» ( [25] ) لتشابهها مع المدرسة العقلية القديمة «المعتزلة» ، وقد لاحظ ذلك كثير من العلماء والمفكرين منهم: الدكتور أنور الجندي ( [26] ) ، والأستاذ سيد قطب ( [27] ) ، والدكتورعبد الله شحاته، والدكتور محمد حسين الذهبي حيث يقول: «أنها أعطت لعقلها حرية واسعة فتأولت بعض الحقائق الشرعية التي جاء بها القرآن، وعدلت بها عن الحقيقة إلى المجاز أوالتمثيل، وليس هناك ما يدعولذلك إلا مجرد الاستبعاد، والاستغراب، إستبعاد بالنسبة لقدرة البشر القاصرة، واستغراب لا يكون إلا من جاهل بقدرة الله